الرئيسية / Uncategorized / بعض من مشاهد رحلة ابن بطوطة إلى الصين

بعض من مشاهد رحلة ابن بطوطة إلى الصين

 

أورد الرحالة شمس الدين بن عبد الله بن محمد بن ابراهيم اللواتي الطنجي المعروف بابن بطّوطة في مؤلفه الذي دون فيه كل رحلاته ومشاهداته والمعروف بــ: “تحفة النظّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار”، الكثير من العجائب والمشاهد التي رواها في كتابه، ونحن هنا سنكتفي بذكر بعضها فقط.

ابن بطوطة وعالم التصوير الصيني:

ذكر المفكر الفرنسي الشهير رجيس دبريه في كتابه الرائع: حياة الصورة وموتها ” Vie et mort de l’image “، رأي الرحالة ابن بطوطة الطنجي في الرسم الصيني، ومما أورد في سياق ما ذكر حادثة طريفة وقعت في قصر أحد أباطرة الصين، فقد حدث أن طلب الإمبراطور يوما من أحد رسامي القصر أمرا غريبا وغير معهود، إذ أمره بمحو الشلال من إحدى اللوحات الجدارية التي كانت تزين حجرة نومه، بحجة أن خرير مياه الشلال في اللوحة يؤرقه ويمنعه من النوم ليلا، هذه النادرة الإمبراطورية مع الصورة لها أشباه ونظائر كثيرة في التراث الصيني، وهي تشير إلى العلاقة الحميمة التي تعقدها حواس الصيني الخمس مع الصورة.

يمكن القول أن العناوين التي اختارها ابن بطوطة ليست مجرد ديكور، أو زخرفة لغوية مبتذلة، إنما هي تحفة بصرية للنظّار، نعم فنحن نجد أنه وفي أمكنة كثيرة، تنشط حاسة النظر لدى القارئ، وغالبا ما يتبع السرد الوصفي، بتفاصيل مشوقة، ترسم صوراً ذهنية للمشاهد التي يصفها ابن بطوطةً بدقّة عدسة كاميرا محترف، الأمر الذي يجعل كل من يطالع كتابه لا يمل من تصفحه مرات ومرات، بكل لهفة وإقبال لأن التصوير الإبداعي الذهني المرتبط بالسرد الوصفي فيه محكم ورائع.

وقد تحدث ابن بطوطة عن عالم التصوير في الصين، المرتبط بعالم الصناعة الصينية، حيث كانت له نظرة مغايرة تماماً لنظرتنا الراهنة إلى الصناعة الصينية التي ترتبط في أذهان الكثير منا اليوم بالرخص، وعدم الإتقان، فعبارة ” صناعة صينية” المتداولة كثير حاليا، لها دلالة اقتصادية، ودلالة لغوية، وأخرى ” تضمينيّة”، أما قديما فكانت لها دلالات أخرى.

يروي ابن بطوطة حكايته مع الصورة في الصين، فيقول: “ومن عجيب ما شاهدت لهم من ذلك، أنّي ما دخلت قطّ مدينة من مدنهم ثم عدت إليها، إلاّ ورأيت صورتي وصور أصحابي منقوشة في الحيطان والكواغِد – أي الورق – موضوعة في الأسواق. ولقد دخلت الى مدينة السلطان فمررت على سوق النقّاشين ووصلت الى قصر السلطان مع أصحابي، ونحن على زيّ العراقيين، فلما عدت من القصر عشيّا مررت بالسوق المذكورة، فرأيت صورتي وصور أصحابي منقوشة في كاغدٍ قد ألصقوه بالحائط، فجعل كلّ واحد منّا ينظر إلى صورة صاحبه لا تخطئ شيئاً من شبهه. وذُكر لي أنّ السلطان أمرهم بذلك وأنهم أتوا الى قصره ونحن به، فجعلوا ينظرون إلينا ويصوّرون صورنا، ونحن لا نشعر بذلك. وتلك عادتهم في تصوير كلّ من مرّ بهم. وتنتهي حالهم في ذلك إنّ الغريب إذا فعل ما يوجب فراره عنهم، بعثت صورته الى البلاد وبُحث عنه، فحيثما وجد شبه تلك الصورة أُخذ”.

جدير بالذكر أنه قد ورد في رحلة ابن بطوطة – ولكن في غير مجال الصين- كلام عن صورة رآها في كنيسة روسية، يقول ابن بطوطة: “ورأيت كنيسة فقصدتها فوجدت بها راهباً، ورأيت في أحد حيطان الكنيسة صورة رجل عربي عليه عمامة متقلداً سيفا،  وبيده رمح، وبين يديه سراج يوقد، فقلت للراهب: ما هذه الصورة؟ فقال : هذه صورة النبي عليّ، فأعجبت من قوله، وبتنا تلك الليلة بالكنيسة”. وكان مفهوما أن التعجب هنا لم يكن من صورة النبيّ عليه السلام، وإنّما من اختلاط الأمر على الراهب وعدم تميزه بين صورة النبيّ صلى الله عليه وسلم، وصورة الإمام عليّ عليه السلام.

الأمن والقطن والحرير في الصين:

ومما استرعى انتباه رحالتنا الطنجي في الصين، الأمن، وفيه يقول ابن بطوطة :” بلاد الصين آمن البلاد وأحسنها حالا للمسافر، فإن الانسان يسافر منفرداً مسيرة تسعة أشهر، وتكون معه الأموال الطائلة فلا يخاف عليها، وترتيب ذلك أن لهم في كل منزل ببلادهم فندقاً عليه حاكم يسكن به في جماعة من الفرسان والرجال، فإذا كان بعد المغرب أو العشاء الآخرة جاء الحاكم إلى الفندق ومعه كاتبه فكتب أسماء جميع من يبيت به من المسلمين وختم عليها، وأقفل باب الفندق عليهم فإذا كان بعد الصبح، جاء ومعه كاتبه فدعا كل انسان باسمه، وكتب بها تفسيراً، وبعث معهم من يوصّلهم إلى المنزل الثاني له، ويأتيه ببراءة من حاكمه أن الجميع قد وصلوا إليه، وإنْ لم يفعل طلبه بهم، وهكذا العمل في كلّ منزل ببلادهم”.

أما بالنسبة للحرير، فقد أشار ابن بطوطة الى رخصه في الصين، فهو عندهم لباس الفقراء والمساكين، ولولا التجار لما كانت له قيمة، ويباع الثوب الواحد من القطن عندهم بالأثواب الكثيرة من الحرير، ولفت نظره الرفاه الذي يعيش فيه الصينيون، وهو في هذا يقول: “هم أهل رفاهية وسعة عيش، إلا أنهم لا يحتفلون في مطعم ولا ملبس، وترى التاجر الكبير منهم الذي لا تحصى أمواله كثرة، وعليه جبة قطن خشنة” ، هذا طبعا لأن الحرير عندهم يوجد بوفرة، أما في الدول التي يقل أو ينذر فيها الحرير، فناذرا ما تجد أحدا من العامة يرتدي لباسا من حرير لأن ثمنه غالي.

العملة الورقية الصينية:

الكثير من الناس لا يعرف أنّ الورق صناعة صينية، كالحرير تماما، ولم يكشف سر صناعة الورق كما يذكر المؤرخون العرب إلاّ بسبب وقوع صينيّ في الأسر في سمرقند، وأسر الصينيّ أفرج عن سرّ الورق، ومن سمرقند انتشرت صناعة الورق في العالم العربي والإسلامي، ثم الى أوروبا وباقي العالم بعد ذلك، وهذا يفند ما ذهب له بعض من يقول أن “غوتنبرغ” هو من اخترع الطباعة؟؟ لأن الحقيقة العلمية غير ذلك، فالطباعة ولدت في الصين قبل ذلك بقرون، وهذا ما سيتبين لنا من كلام ابن بطوطة عن العملة الورقيّة، فقد كانت الصين أول دولة في العالم تستعمل العملة الورقية على غرار ما نستعملها اليوم، بدلاً من الذهب والفضة أو بدلاً من الدنانير والدراهم، يقول ابن بطوطة: “أهل الصين لا يتبايعون بدينار ولا درهم، وجميع ما يتحصّل ببلادهم من ذلك يسبكونه قطعا كما ذكرناه،  وإنما بيعهم وشراؤهم بقطع كاغَد ( وهي عبارة فارسية معربة تعني الورق)  كل قطعة منها قدر الكفّ مطبوعة بطابع السلطان وتسمّى الخمس والعشرون قطعة منها بالِشْت ( بباء موحدة وألف ولام مكسور وشين معجمة ساكنة وتاء معلوة وهو يعني الدينار عندنا)  وإذا تمزقت تلك الكواغد في يد إنسان حملها إلى دار كدار السكّة عندنا فأخذ عوضها جددا، ودفع تلك ولا يعطي على ذلك أجرة ولا سواها لأنّ الذين يتولون عملها لهم الأرزاق الجارية من قبل السلطان. وقد وكل بتلك الدار أمير من كبار الأمراء، وإذا مضى الإنسان إلى السوق بدرهم فضّة أو دينار يريد شراء شيء لم يؤخذ منه، ولا يلتفت إليه حتى يصرفه بالبالشت ويشتري به ما أراد.”.

 ومعلوم أنه لا يمكن تصور وجود عملة ورقيّة الاّ بوجود طباعة قادرة على نسخ  كثيرة متطابقة تعجز عنها أيادي الناسخين، فقط يبقى أن الفارق في الطباعة بين طريقة “غوتنبرغ” والطريقة الصينية، هو ان طريقة “غوتنبرغ” كانت متحركة بسبب طبيعة الفارق بين الكتابة الألفبائية المحدودة الحروف، أما الكتابة الصينية فتتميز بالعديد من الرموز، وهذا وجه الاختلاف في الأمر ليس إلا.

الترفيه بالشعوذة.. في حضرة الأمير:

ويذكر ابن بطوطة في رحلته إلى الصين، أنه ذات يوم كان مدعوا إلى حفل عند الأمير، وكان يتخلل هذا الحفل مشاهد ترفيهية متنوعة، وهو إذ يصور لنا مقطعا من هذه المقاطع يقول: “وفي تلك الليلة حضر أحد المشعوذين وهو من عبيد القان فقال له الأمير: أرنا من عجائبك! فأخذ كرة خشب لها ثقب، فيها سيور طوال فرمى بها إلى الهواء فارتفعت حتى غابت عن الأبصار، ونحن في وسط المشور أيام الحرّ أي الخان الشديد، فلما لم يبق من السيور في يده إلاّ سير أمر متعلّما له، فتعلق به وصعد في الهواء إلى أن غاب عن أبصارنا، فدعاه فلم يجبه ثلاثا فأخذ سكينا بيده كالمغتاظ وتعلق بالسير إلى أن غاب أيضا! ثم رمى بيد الصبي إلى الأرض، ثم رمى برجله ثم بيده الأخرى ثم بجسده ثم برأسه ثم هبط وهو ينفخ وثيابه ملطخة بالدم، فقبّل الأرض بين يدي الأمير، وكلّمه بالصينيّ، وأمر له الأمير بشيء، ثم إنّه أخذ أعضاء الصبي فألصق بعضها ببعض وركله برجله فقام سويا! فعجبت منه، وأصابني خفقان القلب حين رأيت مثل ذلك، فسقوني دواء أذهب عني ما وجدت، وكان القاضي فخر الدين إلى جانبي، فقال لي: والله ما كان من صعود ولا نزول ولا قطع عضو، وإنّما ذلك شعوذة.”

الإسلام في الصين:

ومن العجيب أن تعرف أن المسلمين لم يكونوا قلّة في الصين حينها، وفي هذا يقول ابن بطوطة: “ولا بد في كل بلد من بلاد الصين من شيخ الإسلام تكون أمور المسلمين كلّها راجعةً اليه، وقاض يقضي بينهم”. وفي مطرح آخر يقول: “لكل مدينة من مدن الصين شيخ المسلمين”. بل يذهب ابن بطوطة في كلامه أبعد من هذا، فيشير إلى أنه كانت لهم جاليات مهمة، وفي هذا يقول: ” في كلّ مدينة من مدن الصين مدينة للمسلمين ينفردون بسكناها، بمعنى ان المسلمين  كان لهم ” سلام تاون” من وحي  ما يسمّى بـ ” شاينا تاون” في عواصم العالم الغربيّ الآن، ولهم فيها المساجد لإقامة الجمعات وسواها، وهم معظّمون محترمون”. وهذا يدل على أن الإمبراطورية الصينية في عهد سلالة “يوان المغولية” الحاكمة وقتها كانت منفتحة ومتسامحة، تسمح بوجود التعدد الديني وتحميه، بخلاف الصين اليوم.

وواضح من خلال كلام ابن بطوطة دائما، أن التلاحم والتعاضد بين المسلمين المقيمين والوافدين من التجّار كان قويا ومفعما بروح الأخوّة الدينية الصادقة، وهؤلاء التّجار لسكناهم في بلاد الكفار – كما يقول ابن بطوطة- إذا قدم عليهم المسلم فرحوا به أشدّ الفرح، وقالوا: جاء من أرض الإسلام، وله يعطون زكاة أموالهم، فيعود غنياً كواحد منهم، وهذا يدل على قوة الإيمان والرابطة الأخوية المتينة بين المسلمين في الصين وقتها.

وكان إذا قدم التاجر المسلم إلى بلاد الصين، خير في النزول عند تاجر من المسلمين المتوطنين ، أو في الفندق، فإن أحبّ النزول عند التاجر حصر ماله وضمنه التاجر المستوطن، وأنفق عليه منه بالمعروف، فإذا أراد السفر بحث عن ماله، فإن وجد شيء منه قد ضاع أغرمه التاجر المستوطن الذي ضمنه، وإن أراد النزول بالفندق سلم ماله لصاحب الفندق وضمنه، وهو يشتري له ما أحب ويحاسبه، فإن أراد التّسري اشترى له جارية وأسكنه بدار يكون بابها في الفندق، وانفق عليهما، وهذا يبين مدى السهولة والسلاسة التي كانت متاحة لكل المسلمين الذين يفيدون على الصين للتجارة أو السياحة أو لأغراض أخرى.

عن bouchta

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *