الرئيسية / Uncategorized / طنجة تاريخ عريق وروافد ثقافية متجدرة

طنجة تاريخ عريق وروافد ثقافية متجدرة

 

تم تأسسي مدينة طنجة على يد الملك الأمازيغي سوفاكس عام 1320 قبل الميلاد، وهي بذلك تعد من أقدم مدن المغرب، حيث استوطنها التجار الفينقيين في القرن الخامس قبل الميلاد، لتتحول فيما بعد إلى مركز تجاري على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وقد ضمتها الإمبراطورية الرومانية إليها في القرن الأول قبل الميلاد، قبل أن تتطور فيما بعد لتصبح عاصمة لنفس الإمبراطورية سنة 422م، وبعد سبع سنوات فقط استولى عليها الوندال سنة 429م وذلك بعد تفكك الإمبراطورية الرومانية وانهيارها، حيث صارت عاصمة لمملكة الوندال، حيث اتخذها الملك “غايسيريك” مركزا رئيسيا للقيام بهجماته على خصومه وأعداء مملكته، وبعد إنتهاء حكم مملكة الوندال، استولى على مدينة طنجة البيزنطيون سنة 534م، وبقيت على هذا الحال حتى فتحتها الدولة الأموية سنة 702م، فقد تعاقبت على حكم هذه المدينة العريقة الكثير من الإمبراطوريات القوية على مر العصور.

و على مدى سنوات طويلة خلت، وبعد انتهاء الفترة الدولية، هاجر لطنجة العديد من سكان الأرياف واحتلوا مراكزها، وعمروها، وبدأت معالم المدينة ونمط الحياة فيها تتغير شيء فشيء، حيث أنك تلمس في الكثير من أهالي طنجة حنينهم وشوقهم لماضي المدينة، حين كانت دولية الطابع، يقصدها المفكرون والسياح والتجار، ورجال المال، والمنتجين السينمائيين وغيرهم كثير، من مختلف بلدان العالم، لما كان للمدينة من صدى ومكانة، لدى الجميع.

وإلى اليوم، ورغم تغير ملامح المدينة وإندثار الكثير من معالمها، لازالت طنجة وستظل، مدينة التاريخ والحضارة المشرقة، المستنيرة المفعمة بالأحداث والسير التي لا تنقضي، المفتخرة بمخزونها الثقافي الكبير ومنجزها الحضاري العظيم، متباهية بمكانتها وقيمتها وموقعها الاستراتيجي، مفعمة بمكوناتها المتنوعة مستشرفة مستقبلها لمشرق وهي تنظر حالمة بغنج إلى البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي.

لا يمكن ذكر مدينة طنجة دون تذكر الرحالة الشهير ابن بطوطة، والفاتح العظيم طارق بن زياد، فقد انطلق منها ابن بطوطة إلى دول وقارات عديدة في رحلته الاستكشافية الشهيرة، بينما استخدم طارق هذه المدينة كقاعدة لفتح إسبانيا ،وكذلك الدول التي حكمت المغرب من بعده، فقد كانت طنجة منطلق كل الفتوحات الإسلامية نحو أوروبا.

طنجة.. الأسطورة والتاريخ:

مما لا شك فيه أن طنجة تتميز دون غيرها بكونها نقطة التقاء بين البحر الأبيض المتوسط من جهة، وبين القارة الأوروبية والقارة الإفريقية من جهة أخرى، الأمر الذي مكنها من أن تكون وعلى مر التاريخ محطة اتصال وعبور و تبادل للحضارات والثقافات، وهي تزخر بالكثير من الكنوز التاريخية العريقة، الضاربة في القدم، والممتدة إلى حضارات ما قبل التاريخ وحضارات كل الإمبراطوريات التي تعاقبت على حكمها، وقد ارتبط اسم طنجة في أساطيرها العريقة باسم “تينجيس” زوجة “آنتي” ابن “بوسايدون” إله البحر.

مرت طنجة بعد الفترة الرومانية، بمرحلة من الركود، لكنها سرعان ما استعادت نشاطها وحيويتها مع بدأ الفتوحات الإسلامية للأندلس على يد القائد طارق بن زياد سنة 711م، ثم المرابطين والموحدين من بعده.

فيما بعد وفي سنوات متعاقبة، تتالت على طنجة فترات الاحتلال الإسباني والبرتغالي والإنجليزي، منذ عام 1471م وإلى سنة 1684م، وهي فترة مهمة كذلك من تاريخ المدينة، طبعت ذاكرتها الثقافية وأثرت فيها، وتركت بصمات عمرانية عديدة ومتنوعة، خصوصا بالمدينة العتيقة، كالأبراج والأقواس، والأسوار، والمعابد الدينية والكثير من المرافق الأخرى التي شيدت في هذه الحقبة من تاريخ طنجة، وبعد استرجاع المدينة من يد الاحتلال الإنجليزي سنة 1684م وذلك في عهد المولى إسماعيل،عرفت طنجة نهضة عمرانية كبيرة، فشيدت الأسوار والحصون و القلاع.. وازدهرت الحياة اقتصاديا واجتماعيا، ودينيا، حيث بنيت المساجد وشيدت القصور والنافورات والأسواق، كما بنيت القنصليات والكنائس والكثير من المنازل الخاصة بالمقيمين الأجانب في المدينة.

بعض ما تبقى من معالم طنجة المشهورة:

قصبة غيلان:

لا يمكن لمدينة بعراقة طنجة أن لا تحتوي على الكثير من المعالم التاريخية المهمة، ومن أشهرها: قصبة غيلان، التي تقع على الضفة اليمنى لوادي الحلق، على الطريق المؤدية إلى منطقة “مالاباطا”، وقد بنيت هذه القصبة سنة 1664م، ويعود سبب تسميتها، لارتباطها باسم “الخدير غيلان” وهو قائد حركة الجهاد الإسلامي ضد الاستعمار الإنجليزي الذي احتل مدينة طنجة، ما بين 1662م و 1684م، وكانت القلعة فيما سبق تتوفر على جهاز دفاعي محكم، هو عبارة عن سورين رباعيي الأضلاع قويين، محصنين ببرجين ضخمين نصف دائريين، تتوسطهما أبواب عمرانية كبيرة جدا، لكن ومع مرور السنوات، ونظر للإهمال الكبير الذي تعرضت له هذه القصبة، فقد فقدت الكثير من أجزائها، وهي اليوم مهددة أكثر من أي وقت مضى بالاندثار إذا استمر هذا الإهمال.

قصر القصبة:

كما أن هناك أيضا، قصر القصبة، إذ تحتل هذه المعلمة موقعا استراتيجيا مهما في الجهة الشرقية من القصبة أو ما يعرف  بــ”دار المخزن”، حيث استخدمت قديما في الدفاع عن المدينة، وقد بني قصر القصبة الذي يعرف كذلك “بقصر السلطان مولاي إسماعيل، في القرن الثامن عشر، من قبل الباشا المعروف المسمى علي أحمد الريفي.

الجامع الكبير:

كما تزخر مدينة طنجة بعدد من الجوامع المهمة، أشهرها الجامع الكبير الذي يقع على مقربة من سوق الداخل، وقد حول المسجد خلال فترة الاستعمار البرتغالي إلى كنيسة، وبعد استرجاعه في سنة 1684م عرف عدة أعمال ترميم وتوسيع خلال فترة حكم الأسرة العلوية، وتميزت كل الأعمال والترميمات التي عرفها الجامع الكبير بعد استعادته بجمالها وروعة فنون الزخرفة المغربية التي زين بها، ويحتوي الجامع على بيت للصلاة، مكون من ثلاثة أروقة متوازية مع حائط القبلة وصحن محاط من كل جانب برواقين، وهو يعتبر نموذجا للمساجد العلوية المعروفة ببساطة هندستها وجمالها.

أسوار طنجة:

تسيج أسوار طنجة الممتدة على طول 2200 متر الأحياء الخمسة للمدينة العتيقة وهي: دار البارود، جنان قبطان، القصبة، واد أهردان، بني إيدر، وقد بنيت هذه الأسوار على مراحل عدة من تاريخ المدينة، ومن الوارد، أنها بنيت فوق أسوار المدينة الرومانية “تينجيس” كما جاء في الكثير من الكتابات، ومن المهم أن نذكر بأن هذه الأسوار قد عرفت عدة أشغال خاصة بالترميم وإعادة البناء والتحصين، وذلك خلال الفترة الإنجليزية 1661م ــ 1684م.

ثم في فترة السلاطين العلويين في القرن الثامن عشر، الذين قاموا بدورهم بدعم الأسوار بمجموعة من الأبراج، كبرج: دار الدباغ، وبرج النعام، وبرج عامر، وبرج السلام، كما فتحوا بها أبوابا منها: باب مرشان، وباب القصبة، وباب حاحا، وباب العسة، وباب البحر، وباب الراحة وباب المرسى المعروف، وقد عرفت جل هذه المعالم في السنوات القليلة الماضية ترميمات مهمة، وذلك بغية الحفاظ عليها ودعم صمودها، كونها تشكل جزء مهم من ذاكرة مدينة طنجة العريقة، ومن تاريخها المجيد.

عن bouchta

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *