في تاريخ مدينة طنجة شخصيات كثيرة تركت بصمتها في ذاكرة المدينة، لكن قلة منها استطاعت أن تتحول إلى جزء من التاريخ العالمي كما حدث مع بيرديكاريس. فالرجل الذي عاش حياة هادئة بين أشجار الرميلات المطلة على المحيط الأطلسي وجد نفسه فجأة في قلب واحدة من أشهر الأزمات الدبلوماسية في بداية القرن العشرين، بعدما اختطفه الزعيم الريفي المعروف أحمد الريسوني في حادثة هزت المغرب واستنفرت الولايات المتحدة وأوروبا.
ولا يزال اسم بيرديكاريس حاضراً في طنجة حتى اليوم من خلال غابة وقصر يحملان اسمه، ويعتبران من أشهر المعالم الطبيعية والتاريخية في المدينة.
من هو بيرديكاريس؟
ولد إيون هانفورد بيرديكاريس سنة 1840 في مدينة أثينا باليونان، لأسرة ذات أصول يونانية هاجرت لاحقاً إلى الولايات المتحدة الأمريكية، نشأ في بيئة ميسورة الحال وتلقى تعليماً جيداً، قبل أن ينخرط في عالم الأعمال والاستثمارات.
ومع مرور الوقت أصبح من الأثرياء المعروفين، الأمر الذي سمح له بالسفر والإقامة في عدد من البلدان، وفي أواخر القرن التاسع عشر وقع اختياره على طنجة لتكون مقر إقامته الرئيسي.
لماذا اختار طنجة؟
في تلك الفترة كانت طنجة مدينة استثنائية بكل المقاييس، فقد كانت ملتقى للدبلوماسيين والتجار والرحالة والكتاب من مختلف أنحاء العالم.
وقد أُعجب بيرديكاريس بطبيعة المدينة وموقعها الفريد المطل على مضيق جبل طارق، كما أحب مناخها المعتدل وحياتها الهادئة مقارنة بالمدن الأوروبية الكبرى.
لذلك قرر الاستقرار فيها وبناء قصر فخم وسط غابة الرميلات غرب المدينة، وهي المنطقة التي أصبحت تعرف لاحقاً باسم غابة بيرديكاريس.
قصر وسط الجنة
شيد بيرديكاريس قصراً ضخماً وسط مساحة خضراء واسعة تطل على البحر والمحيط في آن واحد.
كان القصر محاطاً بالحدائق والنباتات النادرة التي جلبها من مناطق مختلفة من العالم. وتحول المكان إلى واحد من أجمل العقارات في طنجة خلال تلك الحقبة.
وكان يستقبل فيه شخصيات سياسية ودبلوماسية بارزة، مما جعل القصر مركزاً للنقاشات واللقاءات التي كانت تشهدها المدينة الدولية وقتها.
حادثة الاختطاف التي هزت العالم
في ليلة من ليالي شهر ماي سنة 1904 وقعت الحادثة التي ستخلد اسم بيرديكاريس في كتب التاريخ، فقد اقتحم رجال الزعيم الريفي أحمد الريسوني قصره في غابة الرميلات، وقاموا باختطافه مع ربيبِه كرومويل فارلي، تم نقل المختطفين إلى مناطق جبلية وعرة في شمال المغرب، بينما بدأت الأخبار تنتشر بسرعة في الصحف العالمية، وخلال أيام قليلة تحولت القضية من حادثة محلية إلى أزمة دولية حقيقية، كان الريسوني يتمتع بنفوذ واسع في مناطق شمال المغرب، الأمر الذي جعله قادراً على تحدي السلطة المركزية وفرض شروطه.
لماذا اختطف بيرديكاريس؟
طالب الريسوني مقابل إطلاق سراح بيرديكاريس بمجموعة من المطالب السياسية والمالية، من بينها الإفراج عن بعض أنصاره المعتقلين والحصول على امتيازات معينة.
ولأن المختطف كان شخصية أجنبية ثرية ومعروفة، فقد أدرك الريسوني أن العملية ستجذب اهتمام القوى الدولية، وقد نجح بالفعل في ذلك، إذ أصبحت القضية حديث كل الصحافة العالمية لأشهر طويلة.
أمريكا تتدخل
ما جعل القضية أكثر إثارة هو تدخل الولايات المتحدة الأمريكية بشكل مباشر، فقد أرسلت واشنطن قطعاً بحرية إلى السواحل المغربية للضغط من أجل إطلاق سراح بيرديكاريس ، لتصبح الأزمة موضوعاً رئيسياً في السياسة الأمريكية خلال الحملة الانتخابية للرئيس ثيودور روزفلت، وفي تلك الفترة انتشر الشعار الشهير”بيرديكاريس حياً أو الريسوني ميتاً” وهو الشعار الذي أصبح من أشهر العبارات السياسية في التاريخ الأمريكي.
نهاية الأزمة
بعد مفاوضات طويلة وافقت السلطات المغربية على عدد من مطالب الريسوني، وفي النهاية تم إطلاق سراح بيرديكاريس سالماً بعد أسابيع من الأسر، وقد استقبل خبر الإفراج عنه بارتياح كبير في أوروبا والولايات المتحدة، وانتهت بذلك واحدة من أشهر قضايا الاختطاف في التاريخ الحديث.
هل كان بيرديكاريس جاسوساً؟
ظهرت على مر السنين العديد من النظريات التي تتحدث عن علاقات بيرديكاريس بالدوائر الدبلوماسية الأجنبية، لكن المؤرخين لم يعثروا على أدلة قاطعة تثبت أنه كان جاسوساً، ومع ذلك فإن قربه من النخب السياسية والدبلوماسية جعله شخصية ذات تأثير ونفوذ داخل المجتمع الدولي الذي كان يعيش في طنجة آنذاك.
غابة بيرديكاريس اليوم
بعد أكثر من قرن على تلك الأحداث ما زالت غابة بيرديكاريس من أشهر الأماكن الطبيعية في طنجة.
تمتد الغابة على مساحة كبيرة وتضم أنواعاً مختلفة من الأشجار والنباتات، كما توفر إطلالات رائعة على مضيق جبل طارق وسواحل إسبانيا، وأصبحت وجهة مفضلة لعشاق الطبيعة والرياضة والسياحة، أما القصر التاريخي فقد خضع لأعمال ترميم وتحول إلى معلمة ثقافية تستقطب الزوار والباحثين في تاريخ المدينة.
بيرديكاريس والسينما
ألهمت قصة اختطاف بيرديكاريس العديد من الكتب والأعمال الفنية، أشهرها الفيلم الأمريكي الشهير:
“The Wind and the Lion” الذي استوحى أحداثه من قضية اختطاف بيرديكاريس والريسوني، رغم أن الفيلم تضمن بعض التغييرات الدرامية مقارنة بالأحداث الحقيقية للقصة.
إرث رجل ارتبط اسمه بطنجة
قد لا يكون بيرديكاريس من أبناء طنجة، لكنه أصبح جزءاً من تاريخها وهويتها، فاسمه لا يزال حاضراً في الغابة والقصر والقصص التي يرويها سكان المدينة وزوارها إلى اليوم، كما أن حادثة اختطافه ساهمت في جعل طنجة محور اهتمام العالم في فترة كانت فيها المدينة تعيش تحولات سياسية كبرى.
قصة بيرديكاريس ليست مجرد حكاية رجل ثري اختُطف في شمال المغرب، بل هي قصة تكشف طبيعة المرحلة التي عاشها المغرب في مطلع القرن العشرين، عندما كانت القوى الدولية تتنافس على النفوذ في المنطقة. ومن خلال كل هذا يمكن القول أن طنجة قد تحولت من مدينة هادئة على ضفاف المتوسط والأطلسي إلى مسرح لأحداث دولية تابعتها الصحف والحكومات عبر العالم بكل اهتمام، وبقي اسم بيرديكاريس مرتبطاً بها إلى يومنا هذا.
