هاريس الصحفي البريطاني الذي عشق طنجة وجعل منها موطنه
يُعد والتر بيرتون هاريس أحد أبرز الشخصيات الأجنبية التي ارتبط اسمها بمدينة طنجة خلال نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، إذ لم يكن مجرد صحفي بريطاني ينقل الأخبار، بل تحول إلى شاهد على مرحلة مفصلية من تاريخ المغرب، تاركاً وراءه إرثاً ثقافياً وتاريخياً لا يزال حاضراً إلى اليوم، ويتجسد بشكل خاص في “فيلا هاريس” الشهيرة المطلة على خليج طنجة.
من هو والتر بيرتون هاريس؟
ولد والتر بيرتون هاريس سنة 1866 في بريطانيا، قبل أن ينتقل إلى المغرب وهو في مقتبل العمر، ليستقر بمدينة طنجة التي كانت آنذاك ملتقى للدبلوماسيين والتجار والمغامرين الأوروبيين.
عمل مراسلاً لصحيفة -The Times- البريطانية، واشتهر بتميزه الكبير وبقدرته على الوصول إلى مناطق نائية داخل المغرب في فترة كان وصول الأجانب إليها أمراً بالغ الصعوبة، أتقن العربية و الدارجة المغربية، إضافة إلى الفرنسية والإسبانية، ما مكنه من بناء علاقات جد واسعة مع مختلف فئات المجتمع المغربي والأجانب.
شاهد على أهم التحولات السياسية بالمغرب
واكب هاريس العديد من الأحداث السياسية التي عرفها المغرب قبل فرض نظام الحماية سنة 1912، وكتب تقارير وتحليلات تناولت أوضاع البلاد، وعلاقاتها بالقوى الأوروبية، إضافة إلى الحياة اليومية والعادات والتقاليد المغربية.
وأصدر عدداً من الكتب التي أصبحت اليوم مراجع تاريخية مهمة، من أشهرها كتاب “Morocco That Was” الذي وثق فيه جانباً كبيراً من الحياة المغربية خلال تلك الفترة.
فيلا هاريس أشهر معالم طنجة المرتبطة باسمه
يبقى الاسم الأكثر ارتباطاً بوالتر بيرتون هاريس هو “فيلا هاريس”، التي شيدها في منطقة مالاباطا المطلة على البحر بمدينة طنجة، صُممت الفيلا وسط حدائق واسعة وبأسلوب معماري يجمع بين التأثير الأوروبي والروح المغربية، وتحولت مع مرور السنوات إلى ملتقى للفنانين والدبلوماسيين والمثقفين الذين كانوا يترددون على طنجة.
وبعد وفاة هاريس، مرت الفيلا بعدة مراحل، إذ استعملت كفضاء للترفيه ثم تعرضت لفترة طويلة من الإهمال، قبل أن تخضع لعملية ترميم شاملة أعادت إليها بريقها التاريخي الذي تستحقه.
من فيلا خاصة إلى متحف للفنون
أصبحت الفيلا اليوم متحفاً للفنون يحمل اسم “متحف فيلا هاريس”، ويضم مجموعة مهمة من الأعمال الفنية التي توثق تطور الفن التشكيلي المغربي، إضافة إلى لوحات أنجزها فنانون أجانب استلهموا أعمالهم من المغرب.
ويشكل المتحف اليوم أحد أبرز الفضاءات الثقافية بمدينة طنجة، كما يعد محطة أساسية للزوار المهتمين بتاريخ المدينة وتراثها الفني.
إرث تاريخي لا يزال حاضراً
ورغم مرور أكثر من تسعين عاماً على وفاة والتر بيرتون هاريس، فإن تأثيره لا يزال واضحاً في الذاكرة التاريخية لطنجة، سواء من خلال مؤلفاته التي وثقت مرحلة مهمة من تاريخ المغرب، أو عبر الفيلا التي تحمل اسمه، والتي تحولت إلى أحد أهم المعالم الثقافية والسياحية بالمدينة.
وتبقى قصة والتر بيرتون هاريس شاهداً على المكانة الدولية التي كانت تحتلها طنجة، باعتبارها مدينة جذبت على مر العقود صحفيين ومفكرين وسياسيين وفنانين من مختلف أنحاء العالم.
وسيبقى والتر بيرتون هاريس يمثل جزءاً من تاريخ طنجة الحديث، فقد جمع بين العمل الصحفي والاستكشاف والتوثيق، وترك بصمة لا تزال حاضرة في واحدة من أجمل الفيلات التاريخية بالمغرب. واليوم، تواصل فيلا هاريس أداء دورها الثقافي، محافظة على ذاكرة مدينة لطالما كانت جسراً بين كل الحضارات والثقافات في العالم.
