لا يقتصر شاطئ طنجة البلدي، المعروف لدى السكان باسم “بلايا”، على كونه فضاءً للسباحة والاستجمام، بل ظل لعقود طويلة مدرسة مفتوحة خرجت أجيالاً من شباب المدينة الذين صنعوا لأنفسهم اسماً في عالم الأكروبات وفنون السيرك داخل المغرب وخارجه.
فمنذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، كان الشاطئ البلدي يحتضن مجموعات شبابية تتدرب يومياً على القفزات الهوائية، والدورانات، وبناء الأهرامات البشرية، في مشهد أصبح جزءاً من الهوية الصيفية لمدينة طنجة، واستمر هذا التقليد خلال التسعينيات وصولاً إلى يومنا هذا.
البلايا مدرسة مجانية لصناعة الأبطال
قبل ظهور القاعات الرياضية المجهزة، كانت رمال شاطئ البلايا بالمدينة هي أرضية التدريب الأولى لعشرات الشباب الطنجاوي المغرم بهذه الرياضة ولازال الأمر كذلك إلى اليوم، حيث ينتظم الشباب في مجموعات ويتدربون لساعات طويلة على الحركات البهلوانية وتمارين القوة والتوازن، مستفيدين من طبيعة الرمال التي تخفف من مخاطر السقوط أثناء تعلم الحركات الجديدة، وغالبا ما يقوم أحد الأفراد القدماء في هذا المجال والذي غالبآ ما يحظى باحترام وتقدير أغلب الشباب بالإشراف على هذه المجموعات وتنظيمها وربما تسهيل مشاركتها في عروض متنوعة بمسارح داخل المملكة وخارجها.
ومعلوم أن التدريب لا تقتصر فقط على الجانب البدني، بل تتعداه إلى الانضباط والعمل الجماعي والثقة المتبادلة بين أفراد المجموعة، وهي قيم تساهم في استمرار تكوين أجيال من الرياضيين المتميزين.
من شاطئ طنجة إلى السيرك العالمي
لم تبقِ هذه المواهب حبيسة الشاطئ، إذ نجح عدد من الشباب الطنجاويين في شق طريقهم نحو الفرق الاحترافية، وشاركوا في عروض بالسيرك التقليدي والمعاصر داخل المغرب وخارجه.
كما عرفت طنجة ولادة مبادرات فنية ساهمت في تحويل الأكروبات المغربية التقليدية إلى عروض مسرحية معاصرة، كان أبرزها تأسيس فرقة سنة 2003، التي عملت على تطوير هذا الإرث المحلي وتقديمه على مسارح عالمية، بعد أن كان العديد من أعضائها يتدربون لسنوات على شاطئ طنجة، وقد جابت عروض الفرقة عدداً من الدول الأوروبية والأمريكية، مقدمة صورة مشرقة عن التراث الأكروباتي المغربي.
تقليد يمتد من جيل لآخر
يروي عدد من أبناء طنجة أن مجموعات الأكروبات كانت معروفة خلال سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، حيث كان الشباب الأكبر سناً يتكفلون بتدريب الصغار، لينتقل هذا الفن من جيل إلى آخر دون مدارس رسمية أو مؤسسات متخصصة.
وكان الشاطئ البلدي بطنجة يتحول مع اقتراب غروب الشمس إلى فضاء مليء بالحركة، يتابع فيه المصطافون عروض القفزات والأهرامات البشرية، بينما كان بعض السياح يلتقطون الصور إعجاباً بما يشاهدونه.
سمعة تجاوزت حدود المغرب
ساهمت هذه التجربة الطويلة في اكتساب الأكروبات الطنجاوية سمعة دولية، إذ شاركت فرق مغربية من طنجة في عروض عالمية منذ ثمانينيات القرن الماضي، بما في ذلك عروض سيرك شهيرة في الولايات المتحدة وأوروبا، وهو ما جعل المدينة ترتبط في الأوساط الفنية بتاريخ عريق في هذا المجال.
الشباب يواصلون الحفاظ على الإرث
ورغم تغير أساليب التدريب وظهور فضاءات رياضية حديثة، لا يزال شاطئ بلايا يحتفظ بمكانته كوجهة مفضلة لعشاق الأكروبات، فلازال العديد من الشباب يتجمع بشكل شبه يومي في الشاطئ للتدريب وصقل الموهبة وتطوير المهارة لمواصلة هذا التقليد الذي ورثوه عن الأجيال السابقة، مؤكدين أن الأكروبات الطنجاوي ليس مجرد استعراض رياضي فقط، بل هو جزء من ذاكرة طنجة وهويتها الثقافية، ووسيلة للتعبير عن الإبداع والانضباط وروح التحدي عند شباب المدينة.
إرث يستحق التثمين
ويرى مهتمون بالشأن الرياضي والثقافي لطنجة أن تاريخ الأكروبات في عروس الشمال يمثل تراثاً غير مادي يستحق مزيداً من التوثيق والدعم، سواء من خلال تنظيم مهرجانات متخصصة، أو إنشاء فضاءات مجهزت بشكل أفضل للتدريب، أو تشجيع الجمعيات التي تعمل على نقل هذا الفن إلى الأجيال الجديدة، حفاظاً على تقليد رياضي وثقافي جعل اسم طنجة حاضراً في أشهر مسارح وعروض السيرك حول العالم.
