لم تعد التحديات التي تواجه صناعة النسيج في طنجة مرتبطة فقط بتقلب الأسواق الخارجية أو المنافسة الدولية وارتفاع تكاليف الإنتاج، بل برز خلال الأشهر الأخيرة تحدٍّ من نوع آخر داخل خطوط المصانع نفسها: “العثور على اليد العاملة والقدرة على الاحتفاظ بها”.
ففي مدينة بنت جزءًا مهمًا من قوتها الصناعية على الخياطة والنسيج والصناعات الموجهة إلى التصدير، تجد بعض الوحدات الإنتاجية نفسها أمام مفارقة لافتة، فرص عمل متاحة من جهة، وصعوبة متزايدة في استقطاب العمال المؤهلين والمستعدين للاستمرار في العمل من جهة أخرى.
معامل تبحث عن العمال في قلب مدينة صناعية
تفاقمت أزمة اليد العاملة في قطاع الخياطة والنسيج بمدينة طنجة، فبحسب معطيات مهنية حديثة، فقد وصل الأمر إلى درجة أن بعض المصانع باتت تبحث عن حلول سريعة لضمان استمرار الإنتاج واحترام مواعيد تسليم الطلبيات للشركات الأجنبية في الآجل المتفق عليه.
ولا يتعلق الأمر فقط بالبحث عن عمال جدد، بل أيضًا بصعوبة الاحتفاظ باليد العاملة، خصوصًا في المهن التي تتطلب خبرة في تشغيل آلات الخياطة الصناعية والقدرة على العمل وفق وتيرة إنتاج محددة.
وكانت تقارير محلية قد رصدت منذ بداية يوليوز وجود خصاص متزايد في مشغلي ومشغلات آلات الخياطة، الأمر الذي يدفع بعض الوحدات إلى إعادة تنظيم برامج الإنتاج تفاديًا لتعطل خطوط التصنيع.
«العطّاشة» يدخلون على خط الأزمة
وأمام الحاجة السريعة إلى العمال، برز بشكل أكبر ما يعرف محليًا بنظام “الكوينتا” أو “العطش”، حيث يتم اللجوء إلى يد عاملة لتغطية حاجيات إنتاجية مرتبطة، في جانب منها، بضرورة تنفيذ الطلبيات داخل الآجال المطلوبة من الشركات الأجنبية.
ويكشف توسع هذه الظاهرة عن تحول أعمق داخل سوق الشغل الصناعي في طنجة، حيث لم يعد توفير منصب العمل وحده كافيًا بالضرورة لضمان استقرار العامل داخل المصنع.
فالمدينة نفسها شهدت خلال الفترة الأخيرة خصاصًا في اليد العاملة لم يقتصر على النسيج، بل ظهر كذلك في قطاعات صناعية أخرى مثل “الكابلاج”، ثم امتد إلى قطاع البناء، في مؤشر على أن المسألة تتجاوز أزمة قطاع واحد إلى تغيرات أوسع في سوق العمل المحلي.
لماذا يعزف بعض العمال عن المصانع؟
هنا تكمن المفارقة الأكبر. ففي الوقت الذي تستمر فيه البطالة بالمغرب، تجد مقاولات صناعية صعوبة في العثور على العدد الكافي من العمال.
وتشير تقارير مهنية إلى أن جزءًا من المشكلة يرتبط بمدى جاذبية ظروف العمل والأجور مقارنة بارتفاع تكاليف المعيشة، إلى جانب طبيعة بعض الوظائف الصناعية التي تتطلب التزامًا يوميًا ووتيرة إنتاج مرتفعة.
كما أن النقاش حول ظروف العمل داخل بعض مصانع النسيج في طنجة وصل خلال الصيف إلى البرلمان، حيث طُرحت أسئلة كتابية تتعلق بأوضاع العاملات واحترام الحقوق وظروف التشغيل في بعض الوحدات.
وهذا يعني أن أزمة اليد العاملة لا يمكن قراءتها فقط من زاوية أن «العمال لا يريدون العمل»، بل تطرح سؤالًا أكثر تعقيدًا حول “قدرة الوظائف المتاحة على جذب العامل وضمان استمراره”.
النسيج المغربي يواجه ضغطًا من الخارج أيضًا
تأتي أزمة اليد العاملة في توقيت حساس بالنسبة إلى قطاع النسيج والجلد المغربي.
فحسب معطيات مكتب الصرف التي أوردتها “SNRT News”، تراجعت صادرات القطاع بنسبة “9.1 في المائة عند متم ماي 2026″، في سياق يجمع بين تباطؤ الطلب في بعض الأسواق الأوروبية واشتداد المنافسة الدولية وتحديات داخلية تشمل نقص اليد العاملة المؤهلة وارتفاع تكاليف الإنتاج.
وبالنسبة إلى طنجة، التي تحتضن قاعدة صناعية وتصديرية مهمة، يصبح أي اضطراب في توفر العمال أكثر حساسية، لأن المصنع المرتبط بالأسواق الخارجية لا يواجه فقط تحدي إنتاج السلعة، وإنما الالتزام الصارم بمواعيد التسليم ومعايير الجودة.
من أزمة تشغيل إلى سؤال حول النموذج الصناعي
ما يحدث داخل معامل طنجة يطرح سؤالًا يتجاوز النسيج وهو: هل تغيرت علاقة الشباب بالعمل الصناعي؟
فالأجيال الجديدة أصبحت أكثر حساسية للأجر وظروف العمل وساعات الاشتغال وإمكانية التطور المهني، في وقت ارتفعت فيه تكاليف السكن والنقل والحياة اليومية في مدينة تعرف توسعًا اقتصاديًا وعمرانيًا متسارعًا.
وبالتالي، فإن استمرار النمو الصناعي في طنجة لن يرتبط فقط بجذب الاستثمارات وافتتاح المصانع، بل كذلك بقدرة سوق الشغل على توفير عمال مؤهلين، وبناء علاقة أكثر استقرارًا بين المقاولة والعامل.
طنجة أمام معادلة جديدة
لقد نجحت طنجة خلال سنوات في التحول إلى واحد من أهم الأقطاب الصناعية واللوجستية في المغرب، لكن الحفاظ على هذا الزخم يفرض اليوم مواجهة معادلة مختلفة، فالمصنع يحتاج إلى العامل بقدر حاجة العامل إلى الوظيفة.
وإذا لم تكن ظروف التشغيل والتكوين والأجور والمسار المهني قادرة على مواكبة التحول الذي تعرفه المدينة، فقد تتحول أزمة اليد العاملة من مشكلة ظرفية داخل بعض معامل الخياطة إلى أحد التحديات الحقيقية أمام النمو الصناعي في طنجة.
والمفارقة التي تكشفها الأزمة اليوم واضحة، فالمشكل لم يعد دائمًا في غياب فرص العمل، بل في المسافة التي تفصل بين ما تعرضه بعض المصانع وما ينتظره العامل من الوظيفة.
