يُعد بول بولز أحد أشهر الشخصيات الأدبية التي ارتبط اسمها بمدينة طنجة خلال القرن العشرين على الإطلاق، حتى أصبح اسمه جزءاً من الذاكرة الثقافية للمدينة بل مقترنا بها، كيف لا وهو الذي عاش أكثر من نصف قرن في طنجة وعشقها، وكتب عنها وعن المغرب في عدد من أشهر أعماله الأدبية، مما ساهم في التعريف بالمدينة عالمياً وجعلها قبلة للكتاب والفنانين والمثقفين من مختلف أنحاء العالم.
نشأة بول بولز
وُلد بول فريدريك بولز يوم 30 ديسمبر 1910 بمدينة نيويورك الأمريكية، أظهر منذ طفولته ميولاً واضحة نحو الأدب والموسيقى، فدرس التأليف الموسيقي وعمل ملحناً قبل أن يتجه إلى الكتابة الروائية، وخلال شبابه سافر إلى أوروبا حيث احتك بعدد من كبار الأدباء والفنانين الذين أثروا في مسيرته الفكرية والأدبية.
رحلته الأولى إلى المغرب
وصل بول بولز إلى المغرب لأول مرة سنة 1931 بعد نصيحة من الكاتبة الأمريكية الشهيرة جيرترود شتاين التي كانت ترى في طنجة مدينة مختلفة عن بقية مدن العالم، وقد سحرته المدينة منذ الزيارة الأولى بما تتميز به من تنوع ثقافي وتعايش بين مختلف الجنسيات والثقافات، إضافة إلى موقعها الاستراتيجي الفريد عند ملتقى البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي.
الاستقرار في طنجة
بعد سنوات من التنقل بين أوروبا والولايات المتحدة عاد بول بولز إلى طنجة سنة 1947 ليستقر فيها بشكل دائم، وفي السنة التي تليها التحقت به زوجته الكاتبة جين بولز، ومنذ ذلك التاريخ أصبحت طنجة موطنه الحقيقي، حيث عاش فيها لأكثر من 52 عاماً حتى وفاته سنة 1999.
كانت طنجة آنذاك منطقة دولية تستقطب الكتاب والفنانين والمغامرين من مختلف أنحاء العالم، وهو ما وفر لبول بولز البيئة المثالية للكتابة والإبداع، وتحول منزله إلى ملتقى أدبي وثقافي استقبل شخصيات عالمية بارزة في مجالات الأدب والفن والموسيقى.
عشقه لمدينة طنجة
لم يكن ارتباط بولز بطنجة مجرد إقامة طويلة، بل كان عشقاً حقيقياً للمدينة ولثقافتها، وقد وجد فيها فضاءً مختلفاً عن المدن الغربية التي عرفها سابقاً، وكان يرى أن طنجة تجمع بين الماضي والحاضر في تناغم نادر، وكتب عنها قائلاً إن المدينة تمنح الحاضر عمقاً خاصاً بفضل حضور الماضي فيها بشكل حي ومستمر.
كما اهتم بالثقافة المغربية الشعبية، فقام بتسجيل وتوثيق العديد من الحكايات والأغاني والتراث الشفهي المغربي، وساهم في التعريف بعدد من الأدباء المغاربة على الساحة الدولية، ومن بينهم الكاتب المغربي الشهير محمد شكري والفنان أحمد اليعقوبي.
أشهر أعماله الأدبية
ترك بول بولز إرثاً أدبياً مهماً جعله من أبرز الكتاب الأمريكيين في القرن العشرين، ومن أشهر أعماله:
* The Sheltering Sky (السماء الواقية) وهي أشهر رواياته على الإطلاق.
* Let It Come Down (دعها تنزل)
* The Spider’s House(بيت العنكبوت)
* وعشرات القصص القصيرة والرحلات الأدبية والترجمات…
وقد حققت رواية “السماء الواقية” نجاحاً عالمياً كبيراً، وتحولت لاحقاً إلى فيلم سينمائي شهير.
أشهر أقواله عن طنجة
ترك بول بولز عدداً من الأقوال والانطباعات الشهيرة عن طنجة، من بينها وصفه للمدينة بأنها:
* “مدينة يعيش فيها الماضي والحاضر في الوقت نفسه” كما كتب في إحدى رواياته: “طنجة أكثر شبهاً بنيويورك من نيويورك نفسها” وكان يعتبر طنجة مدينة فريدة يصعب مقارنتها بأي مكان آخر في العالم، لما تتميز به من تنوع بشري وثقافي استثنائي.
وفاته
ظل بول بولز مقيماً في طنجة إلى آخر أيام حياته، حيث ودع دنيا الناس يوم 18 نوفمبر 1999 عن عمر ناهز 88 سنة، وبرحيله فقدت طنجة أحد أشهر سفرائها الثقافيين في العالم، غير أن اسمه بقي مرتبطاً بتاريخ المدينة وذاكرتها الأدبية، ولا يزال الكثير من الباحثين والمهتمين بالأدب العالمي يعتبرونه من أبرز الشخصيات التي ساهمت في التعريف بطنجة خارج المغرب.
إرثه الثقافي العريق
بعد أكثر من ربع قرن على رحيله، ما زال بول بولز حاضراً بقوة في ذاكرة طنجة الثقافية، فقد استطاع من خلال أعماله الأدبية وكتاباته عن المغرب أن يجعل اسم طنجة معروفاً لدى ملايين القراء حول العالم، وأن يحول المدينة إلى رمز أدبي عالمي ارتبط بالحرية والإبداع والتنوع الثقافي.
