كشفت وكالة رويترز عن معطيات جديدة بشأن الأزمة غير المسبوقة التي شهدتها الحدود بين شمال المغرب ومدينة سبتة خلال نهاية يوليو 2026، مشيرة إلى أن نقابات تمثل عناصر أمن وعاملين بالحدود الإسبانية كانت قد وجهت سلسلة من التحذيرات إلى السلطات المركزية في مدريد قبل أسابيع من التدفق الكبير.
وتفتح هذه المعطيات باب التساؤلات حول مدى استعداد السلطات الإسبانية للتعامل مع مؤشرات كانت تنذر بتصاعد محاولات الوصول إلى سبتة، خصوصًا مع الانتشار الواسع لمقاطع الفيديو والمنشورات المتعلقة بالعبور عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
ستة تحذيرات سبقت التدفق الكبير نحو سبتة
بحسب تقرير رويترز الصادر في 15 غشت 2026، اطلعت الوكالة على “ست حالات من البيانات والمراسلات المكتوبة” التي وجهتها نقابات أمنية إسبانية إلى ممثل الحكومة المركزية في سبتة وإلى المسؤولين الأمنيين، مطالبة بتعليمات واضحة وإجراءات استباقية بعد تزايد محاولات الوصول إلى المدينة.
وجاءت التحذيرات في أعقاب حكم قضائي إسباني صدر في 29 يونيو، يتعلق بكيفية التعامل مع المهاجرين الذين يصلون إلى سبتة سباحة مقارنة بمن يعبرون حاجزًا ماديًا.
ووفق المعطيات التي أوردتها رويترز، اعتبرت نقابات أمنية أن انتشار أخبار الحكم ومقاطع تظهر نجاح بعض الأشخاص في الوصول إلى سبتة ساهم في تشجيع محاولات إضافية، بالتزامن مع نشاط شبكات إجرامية واستغلالها للمعلومات المتداولة عبر المنصات الرقمية.
شبكات التواصل في قلب أزمة الهجرة
يلفت تقرير رويترز الانتباه مجددًا إلى الدور الذي لعبته مواقع التواصل الاجتماعي في تسريع انتشار المعلومات والدعوات المرتبطة بالعبور نحو سبتة.
السلطات الإسبانية من جهتها ربطت التدفق الكبير الذي وقع يومي 29 و30 يوليو بمعلومات مضللة حول الحكم القضائي قالت إن شبكات إجرامية ساهمت في نشرها.
غير أن التحذيرات السابقة التي اطلعت عليها رويترز تظهر أن النقابات الأمنية كانت تخشى بالفعل من تفاقم الوضع قبل وقوع التدفق الكبير، وطالبت بتعزيز الموارد البشرية ووضع بروتوكولات أكثر وضوحًا للتعامل مع الوافدين بحرًا.
طلب إنشاء مركز استقبال مؤقت قبل الأزمة
ومن أبرز التفاصيل التي كشفها التقرير أن إحدى النقابات وجهت رسالة بتاريخ 23 يوليو إلى المسؤول الأمني في سبتة، تحدثت فيها عن وصول متكرر لأشخاص عبر البحر وما يسببه ذلك من ضغط على الموارد البشرية والبنيات الأمنية.
وطالبت النقابة، بحسب رويترز، بإنشاء “مركز استقبال مؤقت” قادر على التعامل مع ارتفاع أعداد الوافدين.
كما سبق لنقابات أخرى أن دعت إلى تعزيز أعداد العناصر الأمنية ووضع سياسة أكثر وضوحًا لتجنب استغلال أي ثغرات قانونية مرتبطة بإجراءات العبور والإعادة.
مدريد تدافع عن طريقة تعاملها مع الوضع
في المقابل، قدمت وزارة الداخلية الإسبانية رواية مختلفة بشأن الاستعداد للأزمة. وأكدت الوزارة لرويترز أن السلطات درست مجموعة من الخيارات عقب الحكم القضائي، وأن هذا العمل سمح لاحقًا بتركيب حاجز عائم قبالة سواحل سبتة بسرعة بعد التدفق الجماعي.
كما قال ممثل الحكومة في سبتة إنه لا يوجد ما يثبت وجود علاقة مباشرة بين ارتفاع أعداد الوافدين قبل نهاية يوليو وبين التدفق الجماعي الذي وقع لاحقًا، مؤكدًا وجود تواصل مستمر مع الشرطة والحرس المدني.
أزمة غير مسبوقة على أبواب شمال المغرب
وتشير أحدث الأرقام الواردة في تقرير رويترز إلى أن أكثر من 70 ألف شخص اندفعوا نحو سبتة خلال الأزمة التي بلغت ذروتها في نهاية يوليو، فيما تحدثت السلطات الإسبانية والمغربية عن 94 وفاة مؤكدة وفق الحصيلة التي اعتمدها تقرير الوكالة المنشور في 15 غشت، وسط مخاوف من وجود مفقودين آخرين.
وأدت الأحداث إلى استنفار أمني واسع على جانبي الحدود، كما أعادت ملف الهجرة في شمال المغرب إلى صدارة النقاش السياسي والإعلامي في إسبانيا وأوروبا.
المغرب يشدد المراقبة لمنع سيناريو جديد
وبعد الأحداث، رفعت السلطات المغربية مستوى المراقبة، خصوصًا مع تداول دعوات جديدة على شبكات التواصل لتنفيذ محاولة عبور جماعية في 15 غشت.
وأفادت رويترز في تقرير منفصل بتوقيف 111 شخصًا على الأقل، بينهم 109 مهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء ومواطنان مغربيان، في الفنيدق ومحيطها أثناء محاولتهم التوجه نحو سبتة.
ووفق للمعطيات التي حصلت عليها قناة Tanja.tv من مصادر مطلعت، فقد بلغ عدد الأشخاص الذين جرى توقيفهم خلال العمليات المرتبطة بأحداث 15 غشت إلى حدود اليوم 294 مرشحًا للهجرة غير النظامية.
وتشير الحصيلة المعلنة إلى أن الموقوفين يتوزعون بين 248 شخصًا من دول إفريقيا جنوب الصحراء و46 مواطنًا مغربيًا، بعدما جرى رصد تحركات وتجمعات في مناطق قريبة من الفنيدق والحدود مع سبتة.
وجاءت التدخلات في إطار إجراءات استباقية استهدفت منع وصول مجموعات كبيرة إلى النقاط الحدودية وإحباط أي محاولة للعبور الجماعي.
كما عززت إسبانيا وجودها الأمني في المدينة بأكثر من 500 عنصر إضافي، لترتفع أعداد القوات الأمنية الموجودة هناك إلى أكثر من 1600 عنصر، وفق المصدر ذاته.
طنجة وشمال المغرب في قلب تداعيات الأزمة
ورغم أن مركز الأحداث يوجد عند الحدود المحيطة بسبتة، فإن تداعيات الأزمة تمتد إلى مختلف مناطق شمال المغرب، في ظل الإجراءات المرتبطة بمراقبة التنقلات والطرق ووسائل النقل المؤدية نحو المناطق الحدودية.
وتكتسي التطورات أهمية خاصة بالنسبة لطنجة باعتبارها أكبر حاضرة في شمال المملكة وقريبة جغرافيًا من محور طنجة–تطوان–الفنيدق، الذي يتأثر بصورة مباشرة بأي استنفار أمني أو ضغط استثنائي على المنطقة.
أزمة سبتة تعيد ملف الحدود الأوروبية إلى الواجهة
المعطيات الجديدة التي كشفتها رويترز تجعل أزمة سبتة تتجاوز مسألة تدفق جماعي نحو الحدود، لتطرح أسئلة أوسع حول الاستعداد المبكر للأزمات، وتأثير شبكات التواصل، وفعالية التنسيق بين المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي في إدارة الهجرة.
وبينما يشدد المغرب مراقبته للمناطق المؤدية إلى الحدود، تواصل إسبانيا تعزيز إجراءاتها الأمنية، في وقت يبدو فيه أن أحداث نهاية يوليو ستظل حاضرة بقوة في النقاش حول مستقبل إدارة الحدود والهجرة في المنطقة.
