تاريخ مدينة طنجة مليء بالشخصيات الغامضة التي مرت عبرها وتركت بصمتها في الذاكرة المحلية، لكن قلة من هذه الشخصيات أثارت الجدل مثل شخصية *علي باي العباسي*، الرجل الذي دخل المغرب في بداية القرن التاسع عشر بصفة أمير عربي مسلم، قبل أن يكتشف المؤرخون لاحقاً أنه كان في الحقيقة إسبانياً يعمل لصالح دوائر السلطة في مدريد.
فمن هو علي باي؟ ولماذا ارتبط اسمه بمدينة طنجة؟ وهل كان فعلاً جاسوساً أم مجرد رحالة ومستكشف؟
من هو علي باي؟
كان الاسم الحقيقي لعلي باي هو *دومينغو باديا إي ليبليش*، وهو ضابط ومستكشف ومستشرق إسباني ولد بمدينة برشلونة سنة 1767. تعلم اللغة العربية ودرس الثقافة الإسلامية بشكل عميق، حتى تمكن من تقمص شخصية رجل مسلم قادم من المشرق يدعى “علي باي العباسي”، مدعياً أنه من نسل الخلفاء العباسيين.
وقد أعد نفسه لهذه المهمة لسنوات طويلة، حيث تعلم العادات الإسلامية وارتدى اللباس الشرقي وأتقن اللهجات العربية، مما جعله قادراً على خداع الكثير من الشخصيات التي التقاها خلال رحلاته.
وصوله إلى طنجة
وصل علي باي إلى مدينة طنجة سنة 1803 قادماً من إسبانيا عبر مضيق جبل طارق. وكانت طنجة آنذاك بوابة المغرب نحو أوروبا، ومركزاً مهماً للتجارة والدبلوماسية والتجسس في الوقت نفسه. وقد وصف المدينة والميناء وسكانها بدقة كبيرة في مذكراته التي نشرها لاحقاً في أوروبا.
من طنجة بدأ رحلته داخل المغرب، حيث نجح في كسب ثقة عدد من المسؤولين قبل أن يصل إلى بلاط السلطان المولى سليمان.
هل كان علي باي جاسوساً؟
يرى أغلب المؤرخين اليوم أن علي باي لم يكن مجرد رحالة، بل كان جاسوساً يعمل ضمن مشروع سياسي إسباني يهدف إلى جمع المعلومات حول المغرب وإمكانية التأثير على قراراته السياسية. وتشير مصادر تاريخية إلى أن السلطات الإسبانية كلفته بمحاولة التقرب من السلطان المغربي وإقناعه بقبول نفوذ إسباني أكبر داخل البلاد. وفي حال فشل المهمة، كان من بين المقترحات استغلال الصراعات الداخلية لإضعاف الدولة المغربية.
وقد تمكن الرجل من التغلغل داخل المجتمع المغربي بشكل غير مسبوق، مستفيداً من شخصيته المقنعة ومعرفته الواسعة باللغة العربية والتقاليد الإسلامية.
علاقته بالسلطان المولى سليمان
نجح علي باي في الوصول إلى دوائر الحكم، بل تشير بعض الروايات إلى أنه أصبح مقرباً من السلطان المولى سليمان لفترة من الزمن. وقد أثار ذكاؤه وثقافته إعجاب العديد من الأشخاص الذين تعاملوا معه، حتى إن بعضهم اعتبره أميراً شرقياً حقيقياً.
لكن خلف هذه الصورة كان الرجل يجمع معلومات دقيقة عن الأوضاع السياسية والعسكرية والاجتماعية داخل المغرب، وهي المعلومات التي كانت تهم القوى الأوروبية الطامعة في المنطقة آنذاك.
من طنجة إلى مكة
بعد مغادرته المغرب واصل ألي باي رحلاته نحو ليبيا ومصر والحجاز والشام. ويعتبر من أوائل الأوروبيين الذين تمكنوا من دخول مكة المكرمة متخفين في هيئة مسلم، حيث أدى مناسك الحج وسجل ملاحظات مفصلة عن المنطقة. وقد تحولت كتاباته لاحقاً إلى مراجع مهمة في أوروبا عن العالم العربي والإسلامي.
لماذا يحمل حي في طنجة اسم “علي باي”؟
يجهل كثير من سكان طنجة أن اسم حي “علي باي” الشهير بالمدينة يعود إلى هذه الشخصية التاريخية المثيرة للجدل. فقد ارتبط اسمه بالمدينة منذ عقود طويلة، وأصبح جزءاً من الذاكرة المحلية رغم أن تاريخه الحقيقي ظل مجهولاً بالنسبة لكثيرين.
ومع ظهور أبحاث تاريخية جديدة تؤكد دوره الاستخباراتي، عاد الجدل حول مدى أحقية تخليد اسمه في الفضاء العام بمدينة طنجة.
علي باي بين البطولة والخيانة
لا يزال المؤرخون يختلفون حول كيفية تقييم شخصية علي باي. فهناك من يعتبره مستكشفاً ومغامراً عبقرياً استطاع اختراق عوالم مغلقة أمام الأوروبيين، بينما يراه آخرون نموذجاً مبكراً للجاسوس الذي استغل الدين والثقافة لتحقيق أهداف سياسية واستعمارية، لكن ما لا يختلف عليه أحد هو أن علي باي يعد من أكثر الشخصيات الأجنبية إثارة للجدل التي مرت عبر طنجة والمغرب خلال القرن التاسع عشر، وأن قصته تكشف جانباً مهماً من الصراع الخفي بين القوى الأوروبية والمغرب في تلك المرحلة التاريخية.
تبقى قصة علي باي واحدة من أكثر القصص غرابة في تاريخ طنجة والمغرب، فقد دخل المدينة بصفة أمير مسلم قادم من الشرق، واستقبل بحفاوة واحترام، قبل أن تكشف الوثائق لاحقاً أنه كان في الواقع إسبانياً يعمل ضمن مشروع سياسي واستخباراتي معقد.
وبين صورة الرحالة وصورة الجاسوس، يظل علي باي شخصية استثنائية تعكس أهمية طنجة الاستراتيجية ودورها التاريخي كمحطة التقاء بين الشرق والغرب.
