في مياه مضيق جبل طارق، حيث يضيق البحر بين ضفتين وتختلط طرق السفن بمسارات الكائنات البحرية، ظهرت هذه المرة قصة مختلفة، قصة لم تبدأ بحادث بين سفينتين ولا بموجة هجرة أو اضطراب في حركة الملاحة، بل بجروح صغيرة على جسد واحدة من أشهر أوركا المنطقة.
إنها «توني» (Toñi)، المعروفة بين الباحثين والمهتمين بالحياة البحرية باسم «الجدة» (La Abuela)، أقدم أوركا معروفة ضمن المجموعة الإيبيرية التي تجوب مياه المضيق والسواحل الأطلسية القريبة.
ظهورها الأخير كان صادمًا، فقد رُصدت على زعنفتها الظهرية جروح حديثة قال مختصون إنها تتوافق مع آثار مقذوفات خرطوش، لتتحول مشاهدتها سريعًا من حدث علمي إلى قضية بيئية دفعت السلطات الإسبانية إلى فتح تحقيق لكشف ما حدث.
«الجدة» تعود إلى المضيق ولكن بجروح غامضة
في العاشر من غشت الجاري، رصد فريق من الباحثين «توني» وهي تسبح في مضيق جبل طارق رفقة اثنتين من الأوركا، بعد نحو عامين من عدم مشاهدتها في المنطقة.
لكن العودة لم تكن عادية
فالفحص البصري أظهر علامات متعددة على زعنفتها الظهرية، ووفق المعطيات التي أوردتها صحيفة “El País”، فقد خلص الباحثون بعد تحليل الإصابات إلى وجود نحو “عشر إصابات” يعتقد أنها ناجمة عن مقذوفات خرطوش، مع احتمال بقاء بعضها داخل الزعنفة، وهو ما قد يرفع خطر تعرض الحيوان لعدوى.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن «توني» تبلغ نحو “60 عامًا”، ما يجعلها واحدة من أقدم أفراد هذه المجموعة وأكثرها أهمية بالنسبة للباحثين الذين يتابعون الأوركا الإيبيرية.
من أطلق النار على الأوركا؟
هذا هو السؤال الذي لا تزال إجابته معلقة بين أمواج الأطلسي والمضيق. فحتى الآن لا توجد معطيات مؤكدة تحدد الشخص الذي أطلق النار، ولا المكان الدقيق الذي وقعت فيه الحادثة.
وكانت الأوركا قد شوهدت سابقًا بالقرب من “فارو في البرتغال” دون أن تظهر عليها الإصابات نفسها، قبل أن تتحرك جنوبًا عبر الساحل البرتغالي وصولًا إلى منطقة مضيق جبل طارق. لذلك يرجح الباحثون أن الحادث وقع في مكان ما خلال هذه الرحلة، دون أن يكون بالإمكان حتى الآن تحديد الموقع بصورة قاطعة.
إسبانيا تفتح تحقيقًا
القضية تجاوزت سريعًا الأوساط العلمية والبيئية، فوزارة البيئة الإسبانية فتحت تحقيقًا بعد ظهور الإصابات، فيما أكدت نائبة رئيس الحكومة الإسبانية ووزيرة التحول البيئي “سارا آغيسين” أن العلامات التي ظهرت على أقدم أوركا في مضيق جبل طارق تتوافق مع آثار مقذوفات.
وشددت على أن الأوركا من الأنواع المحمية وأن إلحاق الأذى بها يمثل مسألة خطيرة من الناحية القانونية والبيئية.
كما دخل التعاون مع السلطات البرتغالية على خط التحقيق في محاولة لإعادة بناء رحلة «توني» وتضييق النطاق الجغرافي الذي يحتمل أن تكون الواقعة قد حدثت داخله.
لماذا تحظى «توني» بكل هذه الأهمية؟
قد تبدو القصة للوهلة الأولى حادثة تخص حيوانًا بحريًا واحدًا، لكنها بالنسبة للعلماء أكبر بكثير.
«توني» ليست مجرد أوركا مسنة تعبر المضيق، بل تمثل ذاكرة حية داخل مجموعة صغيرة ومهددة.
وتشير وكالة رويترز، نقلًا عن جمعيات الحماية التي وثقت إصاباتها، إلى أن مجموعة الأوركا الإيبيرية تضم “أقل من 40 فردًا”، وهو رقم يجعل فقدان أي حيوان منها أمرًا بالغ الحساسية بالنسبة إلى مستقبل هذه المجموعة.
وتتميز الأوركا كذلك ببنية اجتماعية معقدة، حيث تنتقل الخبرات والسلوكيات بين أفراد المجموعة، وهو ما يمنح الإناث الأكبر سنًا مكانة خاصة داخل العائلة.
لهذا لا ينظر الباحثون إلى «الجدة» باعتبارها فردًا معزولًا، بل باعتبارها جزءًا من ذاكرة جماعية تشكلت عبر عقود من التنقل والصيد والتكيف مع مياه الأطلسي والمضيق.
خلف الجروح قصة صراع أقدم مع القوارب
تأتي الحادثة وسط جدل مستمر منذ سنوات حول التفاعلات بين الأوركا الإيبيرية والقوارب في المياه الممتدة بين إسبانيا والبرتغال ومضيق جبل طارق.
فقد سجلت خلال السنوات الأخيرة حوادث اقتربت فيها الأوركا من مراكب شراعية واصطدمت في بعض الحالات بدفاتها، ما أثار نقاشًا واسعًا بين البحارة والعلماء حول أسباب هذا السلوك.
ولا يزال العلماء دون إجماع نهائي بشأن الدافع وراء هذه التفاعلات، في وقت يحذر فيه خبراء البيئة من تحويل الخوف أو الأضرار التي تلحق بالقوارب إلى مبرر للاعتداء على الحيوانات.
وتؤكد منظمات حماية الأوركا أن إطلاق النار، إذا أثبت التحقيق أنه كان متعمدًا، لا يمكن اعتباره ردًا مقبولًا مهما كانت الخلافات المرتبطة بتفاعل هذه الحيوانات مع المراكب.
«الجدة» تواصل السباحة والتحقيق يبحث عن الحقيقة
ورغم قسوة الصور، حملت المراقبة الأخيرة بعض الإشارات المطمئنة. فبحسب الباحثين الذين تابعوا «توني»، فقد شُوهِدت وهي تسبح وتصطاد رفقة أوركا أخرى، وبدت في حالة تسمح لها بمواصلة نشاطها، رغم استمرار المخاوف من تأثير الإصابات واحتمال حدوث مضاعفات صحية.
وهكذا تواصل «الجدة» رحلتها في مياه المضيق، حاملة على زعنفتها آثار حادث لا يزال صاحبه مجهولًا.
وبين طنجة والضفة الأوروبية، يظل البحر شاهدًا صامتًا على ما حدث، بينما يحاول المحققون والعلماء معرفة أين أطلقت تلك المقذوفات، ومن أطلقها، ولماذا.
قصة بدأت ببضع علامات على زعنفة أوركا، لكنها تحولت إلى قضية تعيد إلى الواجهة هشاشة الحياة البرية حتى في قلب واحد من أكثر الممرات البحرية شهرة في العالم.
