هناك أجانب مرّوا من طنجة كمسافرين، وآخرون أقاموا فيها سنوات ثم حملتهم الطرق إلى مدن أخرى، لكن قلة منهم استطاعت أن تترك اسمها محفورًا في جغرافية المدينة، حتى يصبح المكان نفسه شاهدًا على حياة صاحبه.
ومن بين هؤلاء يبرز “والتر بورتون هاريس”، الصحفي والكاتب والرحالة البريطاني الذي وصل إلى المغرب شابًا في أواخر القرن التاسع عشر، قبل أن تتحول طنجة بالنسبة إليه من محطة في رحلة طويلة إلى مدينة تكاد تختصر حياته بأكملها.
واليوم، بعد ما يقارب قرنًا على رحيله، لا يزال اسمه يتردد يوميًا في طنجة: “فيلا هاريس”.
لكن خلف هذا الاسم الذي يعرفه الطنجاويون جيدآ، تختبئ حكاية رجل عاش واحدة من أكثر مراحل المغرب اضطرابًا وإثارة، واقترب من السلاطين والدبلوماسيين والقبائل، وكتب عن البلاد من موقع الصحفي حينًا، ومن موقع المغامر والمراقب الأوروبي حينًا آخر.
شاب بريطاني يجد مدينته في أقصى المغرب
ولد والتر بورتون هاريس في لندن سنة 1866، وتلقى تعليمه في بريطانيا قبل أن تجذبه الرحلات إلى خارج أوروبا، زار مناطق عديدة من العالم، لكن المغرب كان مختلفًا.
وصل إليه وهو في مقتبل العمر، واستقر في طنجة التي كانت آنذاك مدينة استثنائية بمقاييس زمنها، ميناءً تتقاطع داخله المصالح الأوروبية، وأزقةً يلتقي فيها التجار والمغامرون والقناصل والجواسيس والرحالة، فقد وجد الميستر”هاريس” في هذه المدينة مادة لا تنتهي للكتابة.
ومع مرور السنوات، لم يعد مجرد بريطاني يقيم في طنجة، بل أصبح واحدًا من أبرز المراقبين الأجانب للتحولات التي كان المغرب يعيشها عند نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
عين “The Times” على المغرب من طنجة
ارتبط اسم “والتر هاريس” كثيرآ بصحيفة “The Times” البريطانية، التي عمل مراسلًا لها في المغرب سنوات طويلة.
ومن طنجة كان يراقب الأحداث ويرسل تقاريره إلى لندن، في زمن لم تكن فيه الأخبار تنتقل بالسرعة التي نعرفها اليوم، وكان المراسل المقيم على الأرض قادرًا على أن يصبح عينًا لدولة بأكملها على منطقة تتغير بسرعة.
لم يكن هاريس صحفيًا يجلس بعيدًا عن الأحداث
كان يسافر، ويخالط شخصيات من مستويات مختلفة، ويتقن العربية بدرجة أتاحت له الاقتراب من بيئات لم يكن وصول الأوروبيين إليها سهلًا في ذلك الزمن.
وبفضل هذه التجربة، ترك وراءه كتبًا ومقالات أصبحت جزءًا من الأدبيات الأوروبية التي تناولت المغرب في تلك المرحلة.
طنجة التي رآها هاريس
من الصعب قراءة حياة “والتر هاريس” دون تخيل طنجة التي كانت تحيط به، مدينة لم تكن قد عرفت بعد شوارعها الحديثة بالشكل الذي نراه اليوم، وكانت أبواب المدينة العتيقة تفصل عالمًا مغربيًا شديد الخصوصية عن فضاء دولي يتوسع حول الميناء والقنصليات.
كان “خليج طنجة” أكثر هدوءًا، و”مالاباطا” أبعد عن صخب المركز، بينما كانت القوى الأوروبية تتنافس على النفوذ داخل المغرب.
وسط هذا العالم عاش هاريس
لم يكن محايدًا دائمًا في نظر المؤرخين، ولم تكن كتاباته خالية من التصورات السياسية والاجتماعية الأوروبية التي طبعت عصره، لكن قيمتها التاريخية تكمن أيضًا في كون صاحبها شاهدًا مباشرًا على زمن شديد الحساسية من تاريخ المغرب.
عندما أصبح الصحفي جزءًا من الحكاية
غرابة حياة هاريس تكمن في أن الرجل الذي جاء ليكتب الأخبار أصبح هو نفسه في بعض الأحيان خبرًا.
فقد كان كثير السفر داخل المغرب، واستطاع الوصول إلى مناطق كانت تُعد صعبة بالنسبة إلى الأوروبيين، مستفيدًا من معرفته باللغة والعادات المحلية.
لكن المغامرة وصلت إلى ذروتها عندما وقع في قبضة “أحمد الريسوني”، الشخصية الشهيرة التي فرضت حضورها في شمال المغرب خلال تلك المرحلة.
فقد تحولت عملية أسره إلى واحدة من أشهر الوقائع في حياته، قبل أن يستعيد حريته لاحقًا. واللافت أن العلاقة بين الرجلين لم تبقَ مجرد علاقة أسير بآسره، فقد كتب هاريس لاحقًا عن الريسوني، وظلت هذه التجربة واحدة من أكثر صفحات سيرته إثارة.
فيلا أمام البحر حين بنى هاريس قطعة من عالمه
إذا كانت كتابات “والتر هاريس” تحفظ جزءًا من ذاكرته، فإن طنجة تحتفظ بشيء أكثر وضوحًا: المكان، نعم ففي منطقة “مالاباطا”، المطلة على البحر، أقام هاريس في نهاية القرن التاسع عشر فيلا وسط ملكية واسعة تحيط بها الحدائق.
هناك كان البحر أمامه، وطنجة خلفه، وبين الاثنين مرت سنوات طويلة من حياته. لم تكن الفيلا مجرد مسكن فاخر، فقد أصبحت فضاءً للقاء شخصيات سياسية ودبلوماسية وفكرية، في مرحلة كانت طنجة فيها مسرحًا لتحركات دولية معقدة.
ومن شرفات ذلك المكان، كان هاريس يشاهد مدينة تتغير أمام عينيه، بينما كان هو الآخر يتحول تدريجيًا إلى جزء من ذاكرتها.
الفيلا تعيش أكثر من صاحبها
رحل الرجل وبقي البيت، فبعد انتهاء مرحلة “والتر هاريس”، عرفت الفيلا تحولات كثيرة، تغير مالكوها واستعمالاتها، وتحولت في فترات لاحقة إلى فضاء للترفيه، ثم ارتبط الموقع بنادي البحر الأبيض المتوسط، قبل أن تدخل البناية سنوات من الإهمال.
لكن المكان رفض أن يختفي
أُعيد تأهيله في العقود الأخيرة، واستعادت “فيلا هاريس” حضورها باعتبارها جزءًا من التراث الثقافي والمعماري لطنجة، وتحولت إلى متحف يحتضن أعمالًا فنية توثق جوانب من تاريخ الفن بالمغرب وعلاقته بالفضاء المتوسطي، وهكذا حدثت مفارقة جميلة:
البيت الذي شيده صحفي أجنبي جاء إلى طنجة في القرن التاسع عشر أصبح في القرن الحادي والعشرين فضاءً يحفظ جزءًا من ذاكرة الفن المغربي.
رجل أحب المغرب ولكن بعيني زمنه
لا ينبغي تقديم والتر هاريس باعتباره مجرد عاشق رومانسي لطنجة، فالرجل كان ابنًا لعصر التنافس الاستعماري الأوروبي، وكانت له علاقات واسعة داخل الأوساط السياسية والدبلوماسية، كما أن قراءته للمغرب حملت أحيانًا تصورات أوروبية مرتبطة بخلفيته وزمنه.
وتشير الدراسات الأكاديمية التي تناولت إرثه إلى أن أناقة كتابته وقربه من الأحداث لا تعني بالضرورة أن أحكامه كانت دائمًا محايدة، فقد أثرت رؤيته السياسية والاجتماعية في الطريقة التي قرأ بها المغرب وتحولاته، وهنا ربما تصبح شخصيته أكثر إثارة للاهتمام.
فهو ليس بطلًا من رواية مثالية، بل شخصية مركبة: صحفي ورحالة ومغامر، قريب من دوائر السلطة، شاهد على الصراعات الدولية، ومفتون ببلد كان في الوقت نفسه موضوع عمله ومكان حياته، وكأن طنجة تمنح بعض الغرباء ذاكرة ثانية.
وفاته
توفي “والتر بورتون هاريس” سنة 1933، ودُفن في طنجة، انتهت حياته، لكن اسمه لم يغادر المدينة، وربما لا يعرف كثير ممن يمرون اليوم بمحاذاة “فيلا هاريس” تفاصيل الرجل الذي حمل المكان اسمه.
قد يرون الحدائق والمتحف والبحر الممتد أمام “مالاباطا”، دون أن يتخيلوا أن شابًا بريطانيًا وصل إلى المغرب قبل أكثر من قرن، عاش هنا، وكتب هنا، واستقبل شخصيات عصره هنا، وشاهد من هذا الساحل بعضًا من أكثر التحولات حساسية في تاريخ البلاد، وتلك إحدى غرائب طنجة الجميلة.
فالمدينة لا تحتفظ فقط بأسماء أبنائها، بل تحتفظ أحيانًا بأسماء غرباء أحبوها إلى درجة أنهم لم يعودوا غرباء تمامًا و”والتر هاريس” واحد منهم، فقد جاء إلى طنجة باحثًا عن العالم، فانتهى به الأمر إلى ترك اسمه على قطعة من أرضها.
