لم تكن طنجة، في منتصف القرن العشرين، مجرد مدينة تطل على مضيق يفصل بين قارتين. فقد كانت أشبه بباب مفتوح على المجهول، مدينة تتقاطع فيها اللغات والوجوه والموسيقى والأفكار، ويصل إليها القادمون من أوروبا وأمريكا وهم يحملون أسئلتهم أكثر مما يحملون حقائبهم.
ومن بين هؤلاء، وصل فنان سيصبح اسمه لاحقًا جزءًا من واحدة من أكثر الفترات الثقافية غرابة وثراءً في ذاكرة المدينة: “بريون غيسين Brion Gysin”.
رسام وكاتب وشاعر ومجرب لم يكن يبحث عن مدرسة فنية ينتمي إليها، بقدر ما كان يبحث عن طريقة أخرى لرؤية العالم. وفي طنجة، وجد ما كان يبحث عنه.
طنجة التي فتحت أبوابها للمغامرين
ولد “بريون غيسين” سنة 1916، وعاش بين عوالم فنية وثقافية متعددة، قبل أن تقوده حياته إلى المغرب وبالتحديد عروس الشمال طنجة.
كانت طنجة آنذاك تعيش سنواتها الأخيرة كمنطقة دولية، وقد تحولت إلى فضاء استثنائي يجتمع فيه الدبلوماسي والتاجر والكاتب والرسام والمغامر والموسيقي والجاسوس.
لكن غيسين لم يكتفِ بمراقبة هذه المدينة من شرفة مقهى، بل دخل إلى تفاصيلها، واقترب من فنانيها وموسيقييها، ونسج علاقة مهمة مع الفنان المغربي “محمد الحمري”، وهي العلاقة التي ستقوده بعيدًا عن صالونات طنجة إلى عالم موسيقي مختلف تمامًا في جبال شمال المغرب.
عندما قاد “محمد الحمري” غيسين نحو جوجوكة
كان محمد الحمري أكثر من مجرد صديق مغربي للفنان الأجنبي. فمن خلاله تعرّف “غيسين” عن قرب إلى موسيقى “جوجوكة” وإلى الموسيقيين الذين حافظوا على تقاليد موسيقية متوارثة في شمال المغرب.
كانت التجربة بالنسبة إلى “غيسين” صادمة بالمعنى الإبداعي للكلمة
فالإيقاعات المتكررة، أصوات الغيطة والطبول، الطابع الروحي للموسيقى، والقدرة الغريبة للإيقاع على تغيير إحساس المستمع بالزمن، كلها عناصر تركت أثرًا عميقًا فيه، لم يسمع غيسين في تلك الموسيقى مجرد فولكلور محلي، بل سمع عالمًا كاملًا.
ومن هنا بدأت واحدة من أغرب الجسور الثقافية التي انطلقت من طنجة نحو المشهد الفني العالمي.
«ألف ليلة وليلة» مطعم تحول إلى مسرح ثقافي
في سنة 1954، افتتح “بريون غيسين” و”محمد الحمري” في طنجة مطعمًا حمل اسم “1001 Nights – ألف ليلة وليلة”، لكن المكان تجاوز سريعًا مفهوم المطعم التقليدي. فقد أصبح فضاءً تلتقي فيه طنجة المغربية بطنجة الدولية، وتجلس فيه شخصيات أجنبية جاءت إلى المدينة إلى جانب فنانين وموسيقيين مغاربة وعالميين.
وكان لموسيقيي “جوجوكة” حضور أساسي في المكان، حيث قدموا عروضًا أمام جمهور دولي ربما كان كثير من أفراده يسمع تلك الإيقاعات للمرة الأولى في حياته.
وهكذا، تحولت إحدى زوايا طنجة إلى نافذة صغيرة تطل منها موسيقى شمال المغرب على العالم.
لم يكن غيسين هو الذي صنع “موسيقى جوجوكة” بالطبع، فهي إرث مغربي سابق عليه بقرون، كما أن الدور المحوري للسيد “محمد الحمري” في نقل هذا العالم إلى الأوساط الأجنبية لا يمكن تجاهله. لكن “غيسين” أصبح واحدًا من الذين حملوا شغفهم بهذه الموسيقى معهم إلى شبكات الفنانين والكتاب في أوروبا وأمريكا.
من طنجة إلى أسماء ستغير الموسيقى العالمية
مرت السنوات، لكن الصدى الذي خرج من تلك التجربة لم يتوقف عند أبواب «ألف ليلة وليلة» فموسيقى “جوجوكة” جذبت لاحقًا شخصيات بارزة من عالم الفن والموسيقى، وأصبح شمال المغرب مقصدًا لفنانين يبحثون عن أصوات مختلفة عما كانت تنتجه الاستوديوهات الغربية.
ومن أبرز هؤلاء الفنان “براين جونز”، أحد مؤسسي فرقة “The Rolling Stones”، الذي وصل إلى قرية “جوجوكة” وسجل موسيقاها في نهاية الستينيات، وبالتحديد سنة 1968، وصدرت التسجيلات لاحقًا بعد وفاته في ألبوم: Brian Jones Presents the Pipes of Pan at Joujouka. الأمر الذي ساهم في إيصال اسم “جوجوكة” إلى جمهور عالمي أوسع وقتها.
وبهذا المعنى، كانت طنجة إحدى المحطات المبكرة في رحلة ثقافية طويلة انتقلت خلالها أصوات جبال الشمال المغربي إلى مسامع فنانين وموسيقيين عبر العالم أجمع.
“غيسين وويليام بوروز” عندما انتقلت التجربة إلى الأدب
لم تتوقف مغامرة “بريون غيسين” عند الموسيقى والرسم، فبعد سنوات طنجة، انتقل إلى باريس، حيث ارتبط اسمه بالكاتب الأمريكي “ويليام س. بوروز” وبتجارب أدبية أصبحت لاحقًا من علامات الأدب التجريبي في القرن العشرين.
ومن أشهرها تقنية “Cut-up”، القائمة على تقطيع النصوص وإعادة ترتيبها لتوليد تراكيب ومعانٍ غير متوقعة.
كانت الفكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها حملت تصورًا أكثر جرأة: ماذا يحدث عندما نتوقف عن التعامل مع اللغة باعتبارها بناءً ثابتًا؟
كان غيسين يريد تفكيك الكلمات بالطريقة نفسها التي يفكك بها الرسام الأشكال. وأثرت هذه التجارب بصورة واضحة في أعمال “بوروز” وفي تيارات لاحقة من الأدب والفن والموسيقى.
الـDreamachine البحث عن الصور داخل العقل
ومن أكثر ابتكارات “غيسين” غرابة جهاز عُرف باسم “Dreamachine”، طوره بالتعاون مع “إيان سومرفيل”.
كان الجهاز يعتمد على الضوء والحركة لإنتاج ومضات بصرية متكررة أمام العينين المغمضتين، بما يسمح للمستخدم برؤية أنماط وألوان تتولد من الإدراك نفسه، كانت الفكرة منسجمة تمامًا مع شخصية غيسين، فهو لم يكن يريد أن يرسم لوحة فقط، بل كان يريد أن يعرف من أين تأتي الصورة أصلًا. ولذلك تحرك باستمرار بين الرسم والكتابة والصوت والضوء والتجربة الحسية.
لكن طنجة بقيت في الحكاية
من السهل قراءة حياة “بريون غيسين” باعتبارها سلسلة من المغامرات الفنية بين المغرب وفرنسا وبريطانيا وغيرها، لكن طنجة تحتل داخل هذه السيرة موقعًا خاصًا، فهنا التقى محمد الحمري، وهنا عاش تجربة «ألف ليلة وليلة»، وهنا تعمق احتكاكه بالموسيقى المغربية، ومن طنجة انفتحت أمامه أبواب ثقافية سترافقه في مراحل لاحقة من حياته.
والأهم أن العلاقة لم تكن في اتجاه واحد، فلم تكن طنجة مجرد خلفية شرقية لفنان أوروبي يبحث عن الغرابة، بل كانت مدينة حقيقية بأشخاصها وفنانيها وموسيقييها، وفي مقدمتهم الفنان “محمد الحمري”، الذي شارك في صناعة هذه القصة المتميزة.
رحيل الفنان “غيسين” والعودة الأخيرة إلى المغرب
توفي “بريون غيسين” في باريس سنة 1986، عن سبعين عامًا، لكن حتى نهاية الحكاية حملت شيئًا من المغرب الذي ترك أثره فيه إلى الأبد. فقد نُثر رماده، وفق ما تذكره سيرته، عند “مغارة هرقل” بمدينة طنجة.
كأن الفنان الذي قضى حياته يقطع النصوص ويعيد ترتيبها، ويطارد الإيقاع والصورة والضوء، أراد أن تعود آخر ذرات حكايته إلى المكان الذي فتح أمامه ذات يوم أبوابًا لم يكن يعرف أنها موجودة.
طنجة المدينة التي لا تحتفظ بالفنانين بل تغيرهم
ربما تكمن أهمية “بريون غيسين” في ذاكرة طنجة في أنه يمثل جيلًا كاملًا من الأجانب الذين وصلوا إلى المدينة وهم يعتقدون أنهم سيقيمون فيها لبعض الوقت، ثم اكتشفوا أن طنجة ستدخل في أعمالهم وحياتهم إلى الأبد.
لم تمنحه المدينة مجرد منزل أو مقهى أو منظر جميل على المضيق، بل منحته أصواتًا وأصدقاء وتجارب وأسئلة.
وفي المقابل، حمل “غيسين” شيئًا من طنجة إلى الدوائر الفنية التي تحرك داخلها، وساهم مع “محمد الحمري” في فتح نافذة مبكرة أمام “موسيقى جوجوكة” للوصول إلى جمهور دولي أكبر. وهكذا بقيت الحكاية معلقة بين المدينة والرجل: “فنان جاء يبحث عن عالم جديد، فوجد في طنجة مدينة قادرة على إعادة اختراع من يدخلها”.
