تشهد مدينة طنجة خلال السنوات الأخيرة نمواً متسارعاً في القطاع الصناعي، خاصة في مجال صناعة السيارات ومكوناتها، حيث أصبحت المنطقة واحدة من أبرز الأقطاب الصناعية على مستوى المغرب وإفريقيا بفضل الاستثمارات الكبرى التي استقطبتها والمنظومة اللوجستية المتطورة التي وفرتها، ورغم هذا الزخم الصناعي المتواصل، تواجه العديد من الشركات العاملة في قطاع الكابلاج وصناعة مكونات السيارات صعوبات متزايدة في استقطاب اليد العاملة، الأمر الذي بات يطرح تحديات حقيقية أمام استمرارية وتيرة الإنتاج وتلبية الطلبات المتنامية القادمة من الأسواق الدولية.
وأفادت معطيات متطابقة من الفاعلين في القطاع بأن عدداً من المقاولات الصناعية بطنجة أصبح تلجأ إلى وسائل غير تقليدية للبحث عن العمال والعاملات، من خلال التعاون مع جمعيات محلية ومؤسسات للتكوين ومكاتب الوساطة المهنية، في محاولة لتغطية الخصاص المسجل في الموارد البشرية، خاصة خلال الفترات التي تعرف ارتفاعاً في الطلب على المنتجات الموجهة للتصدير.
ويأتي هذا الوضع في وقت تستمر فيه شركات صناعة السيارات والكابلاج في توسيع قدراتها الإنتاجية، مستفيدة من المكانة التي أصبحت تحتلها طنجة ضمن سلاسل التوريد العالمية الخاصة بصناعة السيارات، وهو ما يفرض حاجيات متزايدة من اليد العاملة المؤهلة في مختلف التخصصات الصناعية والتقنية.
ويرى متتبعون للشأن الاقتصادي أن المفارقة تكمن في تزامن هذا الخصاص مع استمرار معدلات البطالة في صفوف فئة من الشباب، ما يطرح تساؤلات حول مدى ملاءمة التكوينات المتوفرة مع احتياجات سوق الشغل، إضافة إلى عوامل أخرى مرتبطة بظروف العمل والتنقل والتحفيزات المهنية وآفاق التطور الوظيفي داخل المقاولات الصناعية.
كما يؤكد مهنيون أن المنافسة المتزايدة بين الشركات الصناعية على استقطاب الموارد البشرية أصبحت تشكل تحدياً إضافياً، خصوصاً في ظل التوسع الذي تعرفه المنصات الصناعية بطنجة وتزايد عدد الوحدات الإنتاجية المرتبطة بصناعة السيارات والطيران والصناعات التصديرية.
هذا ويحذر فاعلون اقتصاديون من أن استمرار هذا الخصاص قد يؤثر مستقبلاً على قدرة بعض الشركات على احترام آجال التسليم والحفاظ على مستويات الإنتاج المطلوبة، وهو ما يستدعي تعزيز برامج التكوين المهني وربطها بشكل أكبر بحاجيات المقاولات الصناعية، إلى جانب تحسين ظروف العمل وتوفير مزيد من الحوافز القادرة على استقطاب الكفاءات الشابة والحفاظ عليها.
وتواصل طنجة في ترسيخ مكانتها المهمة كعاصمة صناعية للمغرب، غير أن المحافظة على هذا الزخم الاقتصادي تبقى رهينة بقدرة مختلف المتدخلين على إيجاد حلول عملية ومستدامة لإشكالية الموارد البشرية، باعتبارها أحد أهم عناصر نجاح المنظومة الصناعية واستمرار تنافسيتها على الصعيدين الوطني والدولي.
