في مدينة اعتادت أن تجعل من تنوعها الثقافي جزءاً من هويتها، تعود الصناعة التقليدية لتحتل واجهة المشهد بطنجة، حاملة معها ذاكرة الحرفة المغربية وألوانها وروائحها وتفاصيلها التي عبرت الأجيال.
وتحت شعار «الصناعة التقليدية: تراث حي وإبداع متجدد»، تحتضن طنجة الدورة الثامنة عشرة من “المعرض الجهوي للصناعة التقليدية”، الذي افتتح بساحة رأس المصلى، بمشاركة أكثر من 90 عارضاً وعارضة، في موعد يجمع بين الاحتفاء بالموروث الحرفي وفتح آفاق جديدة أمام الصناع والتعاونيات.
ويستمر المعرض إلى غاية “2 شتنبر 2026″، ليشكل خلال أيامه فضاءً مفتوحاً أمام سكان المدينة وزوارها لاكتشاف جانب أصيل من الإبداع المغربي.
أكثر من 90 عارضاً يجتمعون في قلب طنجة
يمتد المعرض على مساحة تقارب “1800 متر مربع”، ويجمع حرفيين وتعاونيات قادمين من مختلف عمالات وأقاليم جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، إلى جانب مشاركين من جهات أخرى بالمملكة.
ولا تبدو الأروقة مجرد مساحات لعرض المنتجات بقدر ما تتحول إلى نافذة على مهارات تراكمت عبر سنوات طويلة، حيث تلتقي الحرفة اليدوية بالإبداع، وتجاور القطع التقليدية منتجات استطاعت أن تمنح التراث روحاً معاصرة.
وتتنوع المعروضات بين “الطرز اليدوي والزخرفة على الخشب والمنتجات الحرفية والمجالية والأعشاب الطبية والعطرية”، وغيرها من الصناعات التي تعكس ثراء الموروث المغربي وتعدد مدارسه المحلية.
حين تتحول الحرفة إلى ذاكرة حية
في الصناعة التقليدية شيء يتجاوز القيمة التجارية للمنتج، فخلف كل قطعة حكاية، وخلف كل زخرفة يد تعلمت أسرار المهنة من جيل سابق، لتعيد صياغتها وفق ذوق الزمن الجديد.
ومن هنا يكتسب شعار الدورة الحالية، «تراث حي وإبداع متجدد»، دلالته، فالتراث لا يعيش فقط داخل المتاحف والكتب، بل يستمر عندما تبقى الحرفة قادرة على الإنتاج والتطور والوصول إلى أجيال جديدة.
وهو ما يجعل مثل هذه المعارض فرصة لإعادة تقريب الجمهور من الصانع التقليدي ومنحه مساحة مباشرة لتقديم عمله والتعريف بالتقنيات والمهارات التي تقف وراء المنتج النهائي.
المعرض الجهوي واجهة للتسويق ودعم الصناع
ولا تقتصر أهداف المعرض على الاحتفاء بالجوانب الثقافية والتراثية، إذ يحمل أيضاً بعداً اقتصادياً مهماً بالنسبة للحرفيين والتعاونيات المشاركة.
فالمعارض الجهوية تتيح للصانع التقليدي الوصول مباشرة إلى المستهلك، وعرض منتجاته خارج دوائر التسويق المعتادة، إلى جانب التعرف على تجارب حرفيين آخرين وتبادل الخبرات وبناء علاقات مهنية جديدة.
وتزداد أهمية هذه الفرص بالنسبة للتعاونيات والمقاولات الحرفية الصغيرة التي تحتاج إلى فضاءات عرض وتسويق تساعدها على توسيع قاعدة زبنائها وتحسين حضور منتجاتها في السوق.
وبذلك، يصبح المعرض نقطة التقاء بين “التراث والاقتصاد”، حيث تتحول المهارة اليدوية إلى مصدر للدخل وفرصة للحفاظ على حرف قد تواجه خطر التراجع إذا لم تجد أسواقاً جديدة.
طنجة والسياحة الصناعة التقليدية جزء من التجربة
يتزامن “تنظيم الدورة الثامنة عشرة” مع موسم تعرف فيه طنجة حركة سياحية ملحوظة، وهو ما يمنح المعرض بعداً إضافياً.
فالزائر الذي يصل إلى المدينة لا يبحث بالضرورة عن البحر والمعالم التاريخية وحدها، بل ينجذب أيضاً إلى تفاصيل الثقافة المحلية والأسواق والحرف والمنتجات التي تحمل شيئاً من هوية المكان.
وتشكل الصناعة التقليدية إحدى أهم حلقات هذه التجربة، لأنها تمنح الزائر فرصة العودة بقطعة لا تمثل مجرد تذكار، وإنما تحمل معها جزءاً من الثقافة المغربية.
ومن هذه الزاوية، يمكن للمعرض أن يساهم في تنشيط الحركة التجارية والسياحية، وفي التعريف بصورة أخرى لطنجة، مدينة لا تكتفي بواجهتها البحرية ومشاريعها الحديثة، بل تحتفظ أيضاً بجذورها الحرفية والثقافية.
تنظيم بشراكة بين عدد من المؤسسات
تنظم هذه الدورة “غرفة الصناعة التقليدية لجهة طنجة-تطوان-الحسيمة” تحت إشراف ولاية الجهة، وبشراكة مع كتابة الدولة المكلفة بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، ومؤسسة دار الصانع، وجامعة غرف الصناعة التقليدية، وبدعم من جماعة طنجة.
ويراهن المنظمون من خلال هذه التظاهرة على توفير فضاء للترويج للمنتجات التقليدية وتشجيع الحرفيين والتعاونيات، فضلاً عن إبراز التنوع الذي يميز الصناعة التقليدية على مستوى الجهة وباقي مناطق المملكة.
تحدي الحفاظ على الحرف في زمن الصناعة الحديثة
وراء الألوان والزخارف التي تملأ أروقة المعرض، يبرز سؤال أكبر يتعلق بمستقبل الصناعة التقليدية.
فالعديد من الحرف تواجه اليوم تحديات مرتبطة بتغير أنماط الاستهلاك وارتفاع تكاليف الإنتاج والمنافسة مع المنتجات المصنعة، إضافة إلى ضرورة نقل الخبرات إلى أجيال جديدة.
ولهذا لا يكفي الحفاظ على الصناعة التقليدية بوصفها جزءاً من الماضي، بل يتطلب الأمر منحها القدرة على التكيف مع الحاضر.
ويبدو التجديد في التصميم، والاستفادة من التجارة الرقمية، وتحسين التسويق والوصول إلى الأسواق الدولية، من بين المسارات القادرة على تحويل التراث الحرفي إلى قطاع أكثر قدرة على الاستمرار والمنافسة.
طنجة مدينة حديثة لا تنسى ذاكرة اليد
تتغير طنجة بسرعة: مصانع جديدة، ومشاريع كبرى، وميناء عالمي، واستثمارات دولية تعيد تشكيل المشهد الاقتصادي للمدينة، لكن وسط هذا التحول، تظل الصناعة التقليدية شاهداً على وجه آخر لعاصمة البوغاز.
وجه تشكله أيدي الحرفيين، وتختزنه النقوش والأقمشة والخشب والمنتجات التي تحمل أثر الإنسان قبل أثر الآلة.
ومن ساحة رأس المصلى، يبدو المعرض الجهوي للصناعة التقليدية أكثر من مناسبة موسمية لبيع المنتجات، ليتعداه كونه تذكير بأن المدن التي تتجه بثقة نحو المستقبل لا تحتاج إلى التخلي عن ذاكرتها، بل يمكنها أن تجعل من تلك الذاكرة نفسها “مصدر إبداع وفرصة اقتصادية وجسراً يصل الماضي بالمستقبل”.
