انطلق الموسم الدراسي 2026-2027 بمدينة طنجة على وقع تحدٍ بات يتكرر مع كل دخول مدرسي جديد: كيف يمكن للمدينة أن توسع بنيتها التعليمية بالسرعة نفسها التي تتوسع بها أحياؤها ويتزايد بها عدد سكانها؟
فبين افتتاح مؤسسات تعليمية جديدة، وتأهيل أخرى، وتوسيع شبكة “مؤسسات الريادة”، تدخل آلاف الأسر الطنجاوية الموسم الدراسي الجديد وهي تترقب قدرة العرض المدرسي على استيعاب أعداد متزايدة من التلاميذ، خصوصًا في المناطق التي تعرف نموًا سكانيًا وعمرانيًا سريعًا.
15 مؤسسة جديدة تعزز العرض المدرسي بالجهة
الموسم الدراسي الجديد حمل معه تعزيزًا للبنية التعليمية على مستوى جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، حيث دخلت 15 مؤسسة تعليمية جديدة الخدمة، وذلك وفق المعطيات المقدمة بمناسبة الانطلاقة الفعلية للدراسة بالمدينة.
وتشير المعطيات الرسمية كذلك إلى إحداث نحو 80 مؤسسة تعليمية جديدة بالجهة منذ سنة 2022، في محاولة لتوسيع العرض المدرسي، وتوفير مقاعد إضافية للتلاميذ، والحد من ظاهرة الاكتظاظ.
غير أن خصوصية طنجة تجعل المعادلة أكثر تعقيدًا. فالمدينة لا تواجه فقط الزيادة الطبيعية في عدد التلاميذ، بل تستقبل باستمرار أسرًا جديدة قادمة من مناطق مختلفة من المغرب، في ارتباط بالدينامية الاقتصادية والصناعية والعمرانية التي تعرفها عاصمة البوغاز.
آلاف التلاميذ الجدد كل سنة في طنجة
وتكشف معطيات سابقة للمديرية الإقليمية للتربية الوطنية بطنجة-أصيلة حجم هذا الضغط، إذ تستقبل المدينة خلال الموسم الواحد ما بين 7 و8 آلاف تلميذ وافد جديد.
وخلال الموسم الماضي، تجاوز عدد المتمدرسين بالتعليم العمومي على مستوى طنجة-أصيلة 260 ألف تلميذ، إلى جانب أكثر من 40 ألف طفل بالتعليم الأولي، فيما يُمثل التعليم الخصوصي بدوره جزءًا مهمًا من الخريطة التعليمية المحلية.
هذه الأرقام تجعل توفير الأقسام والمؤسسات الجديدة أشبه بسباق متواصل مع النمو الديمغرافي للمدينة.
فكل توسع عمراني جديد يعني أسرًا جديدة، وكل تجمع سكني كبير يعني بدوره حاجة إضافية إلى المدارس والإعداديات والثانويات.
“بني مكادة” و”العوامة” في قلب تحدي الاكتظاظ
ويبرز الضغط بصورة أكبر في المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة، وعلى رأسها: “بني مكادة” و”العوامة”، اللتان سبق أن سجلتا معدلات مرتفعة للاكتظاظ على المستوى الجهوي.
ولا ترتبط المشكلة بعدد التلاميذ فقط، بل كذلك بصعوبة العثور على أوعية عقارية مناسبة لإقامة مؤسسات تعليمية جديدة داخل المناطق التي توسعت عمرانيًا بوتيرة كبيرة.
وهنا يظهر واحد من أبرز تحديات التخطيط الحضري في طنجة: هل تتطور المرافق التعليمية بالسرعة نفسها التي تتطور بها المشاريع والتجمعات السكنية؟
مدارس جديدة لكن ماذا عن الجاهزية؟
في المقابل، تثير جاهزية بعض المؤسسات التعليمية نقاشًا آخر بالتزامن مع بداية الموسم الدراسي.
فقد تحدثت تقارير صحفية محلية عن استمرار أشغال مرتبطة بالبناء أو التجهيز في بعض المؤسسات، رغم انطلاق الموسم، ومن بينها وضعية أثيرت بشأن “الثانوية الإعدادية توبقال” بحي “البرانص 2”.
وبحسب المعطيات التي نشرتها الصحافة المحلية، فإن المؤسسة لم تصل بعد إلى تشغيل جميع مستوياتها بالصورة المنتظرة، وهو ما يعيد طرح سؤال يتجاوز مجرد عدد المدارس التي يتم الإعلان عن افتتاحها.
فافتتاح مؤسسة تعليمية جديدة لا يحقق الهدف منه إلا عندما تصبح حجراتها وتجهيزاتها ومواردها البشرية جاهزة فعليًا لاستقبال التلاميذ.
الدخول المدرسي بدأ رسميًا في 7 شتنبر
وكانت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة قد حددت الاثنين 7 شتنبر 2026 موعدًا للانطلاقة الفعلية والإلزامية للدراسة في جميع الأسلاك والمستويات التعليمية.
وسبقت ذلك عملية استقبال تدريجي للتلاميذ، فيما شرعت مؤسسات تعليمية بطنجة في إجراء اختبارات تشخيصية واختبارات للموضعة، خصوصًا ضمن شبكة “مؤسسات الريادة”، بهدف تحديد مكتسبات المتعلمين مع بداية السنة الدراسية.
وتراهن المنظومة التعليمية بالجهة أيضًا على مواجهة الهدر المدرسي، بعدما تمكنت خلال السنة الماضية، وفق المعطيات المقدمة من الأكاديمية الجهوية، من إعادة نحو 8 آلاف تلميذ وتلميذة إلى المنظومة التعليمية.
طنجة أمام معادلة المدرسة والمدينة
المشكلة التعليمية في طنجة لم تعد منفصلة عن التحولات الكبرى التي تعرفها المدينة، فطنجة التي تستقطب الاستثمارات والمصانع والمشاريع السكنية وآلاف السكان الجدد، تحتاج في المقابل إلى بنية اجتماعية تسير بالسرعة نفسها، وفي مقدمتها المدرسة العمومية.
وبين الأرقام الرسمية التي تكشف عن استمرار بناء المؤسسات وتوسيع العرض المدرسي، والضغط الذي تعيشه بعض الأحياء والمؤسسات، يبقى الرهان الحقيقي هو تحقيق التوازن بين نمو المدينة وقدرة بنيتها التعليمية على مواكبته.
فنجاح الدخول المدرسي لا يُقاس بعدد المدارس الجديدة وحده، وإنما بقدرة كل تلميذ في طنجة على إيجاد مقعد دراسي في قسم غير مكتظ، داخل مؤسسة جاهزة وقريبة من محيطه السكني.
ومع استمرار النمو العمراني والديمغرافي لطنجة، يبدو أن هذا التحدي لن يكون مرتبطًا بالموسم الدراسي 2026-2027 وحده، بل سيكون أحد الملفات الأساسية التي ستحدد مستقبل المدرسة العمومية في عروس الشمال خلال السنوات المقبلة.
