أنهى اتحاد طنجة مشاركته في “دورة المرحوم العربي بوراس”، التي احتضنتها “القرية الرياضية بطنجة” ضمن النسخة الثالثة من “كأس ابن بطوطة”، بحصيلة جمعت بين الفوز والتعادل والهزيمة، لكنها قدمت ما هو أهم بالنسبة للطاقم التقني: أول صورة تنافسية حقيقية تقريبًا للفريق الذي يستعد لدخول الموسم الكروي الجديد.
ففي مثل هذه الدورات الإعدادية، لا يكون التتويج هو المعيار الوحيد للحكم على النجاح أو الفشل. بل الأهم هو مستوى الجاهزية، ومدى تقدم الانسجام بين اللاعبين، وقدرة المدرب عبد الحق بنشيخة على تحويل العمل المنجز في التداريب إلى أداء داخل الملعب.
ومن هذه الزاوية تحديدًا، يمكن قراءة مشاركة اتحاد طنجة باعتبارها “اختبارًا مفيدًا كشف مؤشرات إيجابية، لكنه أكد أيضًا أن العمل لم ينته بعد”.
فوز وتعادل وهزيمة حصيلة لا تقول كل شيء
خاض اتحاد طنجة ثلاث مباريات أمام كل من: “نهضة الزمامرة والنادي المكناسي والكوكب المراكشي”.
في المباراة الأولى، تعادل فارس البوغاز مع نهضة الزمامرة بهدف لمثله، بعدما تقدم عن طريق محمد سعود قبل أن يدرك الفريق المنافس التعادل.
وفي المباراة الثانية، تعرض الفريق الطنجي للهزيمة أمام النادي المكناسي، قبل أن ينجح في إنهاء مشاركته بصورة إيجابية بالفوز على الكوكب المراكشي بهدفين مقابل هدف، حملا توقيع يونس النجاري وعبد الحميد معالي.
وبذلك خرج اتحاد طنجة من مبارياته الثلاث بانتصار وتعادل وهزيمة، فيما عاد لقب الدورة إلى النادي المكناسي.
من الناحية الحسابية، لا تمثل الحصيلة تفوقًا واضحًا لاتحاد طنجة، لكنها كذلك بعيدة عن أن تكون نتيجة سلبية في محطة هدفها الأساسي التحضير للموسم.
الأهم من النتائج ماذا أراد بنشيخة من الدورة؟
القيمة الأساسية لدورة المرحوم العربي بوراس بالنسبة لاتحاد طنجة كانت في توقيتها، فالفريق الطنجي كان خارجًا من مرحلة مهمة من التحضير البدني والفني، ويحتاج إلى الانتقال من التداريب إلى المباريات التي تفرض إيقاعًا وتنافسًا وضغطًا أكبر.
وهنا حصل عبد الحق بنشيخة على ثلاث مواجهات أمام ثلاثة منافسين مختلفين، ما أتاح له مساحة واسعة لتجريب العناصر والخيارات التكتيكية، ومراقبة مدى استجابة اللاعبين لما يتم الاشتغال عليه خلال فترة الإعداد.
وبالتالي، فإن تقييم الدورة فقط من خلال أربع نقاط من أصل تسع سيكون قراءة ناقصة، فالمدرب في هذه المرحلة لا يبحث فقط عن النتيجة، وإنما عن إجابات: من أصبح جاهزًا؟ ما أفضل تركيبة لوسط الميدان؟ كيف يتحرك الفريق عند امتلاك الكرة؟ وكيف يتصرف عند فقدانها؟ ومن يستطيع منح الإضافة عندما تتغير ظروف المباراة..؟
البداية كشفت مشكلة المحافظة على الأفضلية
في مواجهة نهضة الزمامرة، نجح اتحاد طنجة في الوصول إلى الشباك أولًا عن طريق محمد سعود، لكنه لم يتمكن من إنهاء المباراة متقدمًا.
التعادل في مباراة إعدادية لا يمثل مشكلة في حد ذاته، لكن السيناريو يقدم درسًا مهمًا قبل البطولة. فالفريق الذي يريد تحقيق موسم مستقر يحتاج إلى معرفة كيفية إدارة لحظات التفوق.
ففي المنافسات الرسمية، قد تصنع القدرة على المحافظة على هدف واحد كفارق، بين خصم في مركز متقدم وآخر في وسط الترتيب مثلا؟ لكن يجب استحضار أن الكثير من مباريات البطولة الوطنية تُحسم بتفاصيل صغيرة، وهذه واحدة من النقاط التي سيكون على الطاقم التقني الانتباه إليها.
الهزيمة أمام مكناس اختبار مفيد أكثر من كونها إنذارًا
نعم، لقد جاءت المباراة الثانية أمام النادي المكناسي بنتيجة سلبية لاتحاد طنجة، لكن وضع النتيجة في سياقها مهم للغاية.
فالنادي المكناسي لم يكن منافسًا عابرًا في الدورة، بل أنهى المنافسة متوجًا باللقب، وهو ما يمنح مواجهة اتحاد طنجة معه قيمة فنية أكبر.
في مرحلة الإعداد، قد تكون مباراة صعبة تكشف العيوب أكثر فائدة للمدرب من انتصار مريح يخفيها.
والسؤال الحقيقي هنا، ليس لماذا خسر اتحاد طنجة مباراة إعدادية؟ وإنما: ماذا فعل بنشيخة بالملاحظات التي خرج بها منها؟ ونعتقد أن جزء من الإجابة قد ظهر في المباراة الأخيرة؟.
الفوز على الكوكب نهاية أعادت التوازن ولكن؟
أنهى اتحاد طنجة الدورة بانتصار بهدفين مقابل هدف واحد أمام الكوكب المراكشي، وسجل يونس النجاري وعبد الحميد معالي هدفي فارس البوغاز، ليغادر الفريق المنافسة بنتيجة إيجابية بعد التعثر في المباراة السابقة.
الفوز مهم معنويًا، لكنه يحمل كذلك دلالة أخرى، الفريق لم يدخل في منحنى تنازلي بعد الهزيمة أمام النادي المكناسي، بل استطاع العودة وتحقيق الانتصار في المباراة التالية.
ولكن في المباريات الرسمية المرتقبة من منافسات البطولة الوطية، ستكون “القدرة على رد الفعل” إحدى الصفات الأبرز لأي فريق يريد تفادي الدخول في سلاسل النتائج السلبية.
ثلاثة مسجلين مؤشر هجومي يستحق الاهتمام
من بين الجوانب الإيجابية في مشاركة اتحاد طنجة، أن أهدافه الثلاثة لم تأت من لاعب واحد، محمد سعود سجل أمام نهضة الزمامرة، فيما سجل يونس النجاري وعبد الحميد معالي أمام الكوكب.
في هذه المرحلة المبكرة لا يمكن تحويل ذلك إلى حكم نهائي على القوة الهجومية للفريق، لكنه يبقى مؤشر جيد من حيث تنوع مصادر التسجيل.
الفريق الذي يمتلك أكثر من لاعب قادر على الوصول إلى المرمى يصبح أقل اعتمادًا على مهاجم واحد، وبالتالي يصبح أكثر قدرة على إيجاد الحلول عندما تتم مراقبة أحد عناصره الهجومية.
لكن الاختبار الحقيقي سيكون في المباريات الرسمية، حيث المساحات أقل، والضغط أكبر، والخصوم أكثر حرصًا على إغلاق مناطقهم.
في المقابل الشباك لم تخرج نظيفة
الجانب الآخر من الصورة يستحق الانتباه كذلك، استقبل اتحاد طنجة أهدافًا خلال الدورة، وهو أمر ينبغي قراءته باعتباره جزءًا من العمل المتبقي على مستوى التنظيم الدفاعي، ولا يتعلق الدفاع بالمدافعين الأربعة وحدهم.
فصلابة الفريق تبدأ من طريقة الضغط في الأمام، مرورًا بقدرة وسط الميدان على إغلاق المساحات، وصولًا إلى التمركز عند فقدان الكرة والتعامل مع التحولات السريعة المرتدة والكرات الثابتة.
وبالتالي، فإن رفع مستوى التوازن بين الهجوم والدفاع سيكون من الملفات التي يتعين على المدرب بنشيخة وطاقمه الانتباه إليها ومواصلة الاشتغال عليها قبل ضربة البداية الرسمية.
دورة جاءت داخل معسكر مكثف
لا يجب أن ننسى أن هناك عامل آخر يجب أخذه بعين الاعتبار عند تقييم الأداء. فمباريات دورة “المرحوم العربي بوراس” جاءت ضمن معسكر إعدادي لاتحاد طنجة امتد “13 يومًا”، وتضمن عملًا بدنيًا وفنيًا وتكتيكيًا مكثفًا.
وهذا يعني أن اللاعبين لم يدخلوا المباريات بالضرورة في الظروف البدنية نفسها التي سيدخلون بها مباريات البطولة بعد الوصول إلى مرحلة تخفيف الأحمال ورفع الجاهزية التنافسية.
لذلك سيكون من المتسرع إصدار حكم نهائي على سرعة اللاعبين أو النسق العام للفريق الطنجي، انطلاقًا من هذه المباريات وحدها.
هل يبدو اتحاد طنجة جاهزًا للموسم؟
ما قدمه الفريق يسمح بقدر من الاطمئنان، لكن ليس بالوصول إلى استنتاج أن الفريق أصبح جاهزًا بنسبة كاملة.
هناك إشارات إيجابية: الفريق سجل، عاد إلى الانتصار بعد الهزيمة، وظهرت أسماء مختلفة في صناعة النتيجة.
وفي المقابل، هناك جوانب تحتاج إلى مزيد من العمل، خصوصًا تثبيت التوازن التكتيكي، رفع الانسجام، تحسين إدارة فترات المباراة، والوصول إلى أكبر قدر ممكن من الصلابة الدفاعية. وهذا أمر طبيعي في مرحلة التحضير.
لكن الأهم، أن دورة “المرحوم العربي بوراس” جاءت قبل وقت كافٍ من انطلاق المنافسات الرسمية، وهو ما يمنح الطاقم التقني فرصة للاستفادة مما كشفته المباريات بدل اكتشاف هذه النقائص بعد بدء احتساب النقاط.
من مرحلة التجريب إلى مرحلة تثبيت الفريق
بعد نهاية الدورة، يدخل اتحاد طنجة تدريجيًا مرحلة مختلفة من الإعداد، فكلما اقتربت البطولة، تقل مساحة التجريب ويصبح المدرب مطالبًا بالاقتراب أكثر من التشكيلة التي سيعتمد عليها رسميًا.
فبنشيخة أصبح يمتلك الآن صورة أوضح عن لاعبيه بعد المعسكر والمباريات الثلاث، ومن المنتظر أن تتحول المرحلة المقبلة من سؤال: “من سنجرب”؟ إلى سؤال أكثر أهمية هو: “من سيبدأ”؟
تثبيت العمود الفقري للفريق، رفع مستوى التفاهم بين الخطوط وتحديد الأدوار بوضوح، ستكون كلها عوامل حاسمة في الأسابيع المتبقية.
دورة “المرحوم العربي بوراس” حققت هدفها بالنسبة لاتحاد طنجة
بعيدًا عن خسارة اللقب لمصلحة النادي المكناسي، يمكن القول إن الدورة حققت جانبًا مهمًا من الغرض الذي نُظِمت من أجله بالنسبة لاتحاد طنجة.
لقد منحت المدرب عبد الحق بنشيخة مباريات تنافسية، ومنحت اللاعبين دقائق لعب، وكشفت نقاط قوة وأخرى تحتاج إلى التصحيح، وأتاحت للجمهور الطنجاوي أول فرصة جدية لتكوين صورة عن الفريق الذي يستعد لتمثيل المدينة في الموسم الجديد.
أما الحكم النهائي على هذا الفريق، فما زال مبكرًا جدآ، فلا الفوز على الكوكب يعني أن كل شيء أصبح جاهزًا، ولا الهزيمة أمام النادي المكناسي تعني أن هناك مشكلة؟.
فالقيمة الحقيقية لما حدث في دورة “المرحوم العربي بوراس” ستظهر في قدرة الجهاز الفني على تحويل ملاحظات هذه المباريات إلى حلول عند انطلاق البطولة الوطنية، وهذا هو الامتحان الحقيقي؟.
فهناك فقط سيتغير كل شيء. لن تكون هناك تغييرات هدفها التجريب، ولن تكون النتيجة تفصيلًا ثانويًا في عملية التحضير، ولن يصبح بالإمكان تعويض النقاط المهدرة باعتبار المباراة ودية.
ولهذا فإن الصورة التي تركها اتحاد طنجة في دورة “المرحوم العربي بوراس” يمكن وصفها بأنها “واعدة ولكن غير مكتملة”.
فالفريق أظهر أنه يمتلك ما يمكن البناء عليه، لكنه أظهر في الوقت نفسه أن هناك تفاصيل يجب العمل عليها أكثر وتداركها، قبل الدخول في المنافسة الرسمية.
