عاشت مدينة سبتة المحتلة ليلة شديدة التوتر بعدما خرجت احتجاجات مرتبطة بأزمة الهجرة عن مسارها السلمي، لتتحول أجزاء من شواطئ المدينة إلى مسرح لاضطرابات ومواجهات استدعت تدخل قوات الأمن الإسبانية.
وبحسب آخر المعطيات التي نشرتها وسائل إعلام إسبانية، مساء الخميس وصباح الجمعة 28 غشت 2026، فقد تمكنت مجموعات من المحتجين من الوصول إلى مناطق كان يقيم فيها مهاجرون بالقرب من شاطئي “بنيتيث” و”El Trampolín”، حيث تعرضت بعض الملاجئ المؤقتة والمقتنيات للتخريب والحرق.
وتدخلت الشرطة الإسبانية لتفريق المحتجين ومنع توسع المواجهات، في واحدة من أكثر الليالي توترًا التي تشهدها المدينة منذ تفجر أزمة الهجرة الأخيرة.
البداية من احتجاج على توزيع المساعدات
بدأت الأحداث بعدما تجمع مئات السكان في محيط شاطئ “El Trampolín”، حيث حاول محتجون عرقلة وصول مركبات تابعة للصليب الأحمر كانت متجهة لتوزيع الطعام والمساعدات على المهاجرين الموجودين بالمنطقة.
وأفادت “وكالة EFE” بأن المحتجين أغلقوا الطريق لأكثر من ساعتين، معبرين عن غضبهم من استمرار الأزمة وتأثيرها، بحسب تصريحات المشاركين، على الحياة اليومية في المدينة. لكن الاحتجاج لم يبق في حدود المطالبة بحلول سياسية وأمنية.
فمع مرور الوقت، انتقلت مجموعات من المشاركين باتجاه المناطق التي يبيت فيها المهاجرون، لتدخل الأزمة مرحلة أكثر خطورة.
اقتحام تجمع للمهاجرين وإضرام النار
في “شاطئ بنيتيث”، تجاوز عدد من المحتجين الطوق الأمني ودخلوا المنطقة التي يستخدمها مهاجرون للمبيت.
وتفيد “Europa Press” بأن محتجين أحدثوا أضرارًا داخل التجمع وأضرموا النار في بعض المقتنيات، فيما وثقت وسائل الإعلام الإسبانية تصاعد الدخان من المنطقة قبل تدخل الشرطة.
أما “وكالة EFE” فأوردت أن محتجين أضرموا النار في مظلتين من القش في تجمع صغير بالقرب من الشاطئ، ما تسبب في تصاعد عمود من الدخان وأثار حالة من الاضطراب في المكان.
وتحدثت “RTVE” بدورها عن تخريب وحرق ملاجئ ومقتنيات يستخدمها مهاجرون، مؤكدة أن الأحداث انتهت بتدخل قوات الشرطة.
مهاجرون يفرون من المكان
وأمام تقدم المحتجين، اضطر عدد من المهاجرين الموجودين بالمنطقة إلى الابتعاد عن أماكن إقامتهم.
وتشير آخر تحديثات “El País” صباح الجمعة إلى انتقال عدد من المهاجرين الذين كانوا في “شاطئ بنيتيث” إلى “شاطئ El Trampolín” بعدما تعرض تجمعهم للهجوم، فيما تعرضت بعض ممتلكاتهم للحرق أو ألقيت في البحر.
وهكذا أصبح “El Trampolín” أحد أبرز نقاط تجمع المهاجرين في المدينة، في الوقت الذي تحاول فيه قوات الأمن الفصل بينهم وبين مجموعات المحتجين.
الشرطة تتدخل لمنع انفلات الوضع
ومع ارتفاع حدة التوتر، تدخلت قوات الشرطة الإسبانية لتفريق بعض المتظاهرين ومنع وصولهم إلى المهاجرين.
وأظهرت الصور والتسجيلات المنشورة في وسائل الإعلام الإسبانية انتشارًا أمنيًا كثيفًا على الشواطئ والطرق المؤدية إليها، بينما أفادت “Euronews” بأن قوات الأمن دفعت المحتجين إلى التراجع في الوقت الذي بقي فيه مهاجرون خلف طوق أمني.
وتعكس هذه التطورات انتقال الأزمة من ملف هجرة وحدود إلى أزمة أمنية واجتماعية داخل المدينة نفسها.
12 موقوفًا بعد الاعتداء على عسكريين
وتزامنت هذه الاضطرابات مع حادث أمني آخر زاد الوضع تعقيدًا. فقد أعلنت الشرطة والحرس المدني الإسبانيان توقيف 12 مهاجرًا، للاشتباه في مشاركتهم في رشق سيارة تقل أربعة عسكريين بالحجارة في “منطقة Benzú”.
وبحسب “EFE”، فقد حاصر ما بين 30 و40 شخصًا السيارة في حدود الخامسة والنصف صباحًا، قبل رشقها بحجارة كبيرة.
وتمكن العسكريون الأربعة من مغادرة المكان، لكنهم أصيبوا واضطروا إلى تلقي الرعاية، بينما فتحت الأجهزة الأمنية تحقيقًا لتحديد باقي المشاركين في الاعتداء.
التوتر يتجاوز شواطئ سبتة
ولم تقتصر الاضطرابات على “بنيتيث” و”El Trampolín”. فوفق المعطيات التي نقلتها “EFE”، شهدت مناطق مختلفة من المدينة اضطرابات وقطعًا لحركة السير، بينما انتشرت الشرطة الوطنية والمحلية في عدد من المحاور لمنع وقوع مواجهات جديدة.
وتضع هذه التطورات الأجهزة الأمنية أمام مهمة مزدوجة: حماية السكان والحفاظ على النظام العام من جهة، ومنع الاعتداء على المهاجرين الموجودين داخل المدينة من جهة ثانية.
الحكومة الإسبانية تتحرك بعد ليلة الاضطرابات
أحداث الخميس انتقلت سريعًا من شوارع سبتة إلى قلب النقاش السياسي في مدريد.
ووفق آخر تحديث نشرته “El País” صباح الجمعة، فقد ترأس رئيس الحكومة الإسبانية “بيدرو سانشيز” اجتماع لجنة متابعة الأزمة، بينما يستعد عدد من الوزراء، بينهم وزير الداخلية “فرناندو غراندي مارلاسكا” ووزير الخارجية “خوسيه مانويل ألباريس”، لمناقشة الملف أمام البرلمان.
كما أدان وزير السياسة الإقليمية والمسؤول عن إدارة الأزمة، “أنخيل فيكتور توريس”، أعمال العنف، مؤكدًا أن هناك مجموعات منظمة لا تريد عودة الوضع إلى طبيعته، وداعيًا إلى السماح باستمرار تقديم المساعدات الإنسانية للمهاجرين.
وفي أحدث التطورات، أعلن وزير الداخلية الإسباني عن 35 مليون يورو لتمديد الحواجز البحرية الحدودية، في خطوة جديدة ضمن الإجراءات التي تتخذها مدريد على خلفية الأزمة.
أزمة هجرة تتحول إلى اختبار اجتماعي وأمني
ما تشهده سبتة اليوم يتجاوز مسألة عدد المهاجرين الموجودين على الشواطئ. فالمدينة أصبحت أمام معادلة شديدة الحساسية تجمع بين احتقان جزء من السكان، ووضع إنساني صعب للمهاجرين، وضغط أمني وسياسي متزايد على السلطات الإسبانية.
وفي المقابل، فإن الاعتداءات على المهاجرين أو عرقلة وصول الغذاء والمساعدات الإنسانية إليهم تفتح مستوى جديدًا من الأزمة، بينما تزيد الاعتداءات المنسوبة إلى بعض المهاجرين على السكان أو أفراد الأمن والعسكريين من حالة التوتر والخوف.
وبين هذين المسارين، تحاول السلطات الإسبانية في المدينة المحتلة، منع دائرة من العنف المتبادل قد تجعل السيطرة على الوضع أكثر تعقيدًا في سبتة.
سبتة تحت المراقبة والساعات المقبلة حاسمة
صباح الجمعة، لم تعد الصورة في سبتة كما كانت قبل أيام. فالمهاجرون الذين غادروا بعض التجمعات بعد أحداث الخميس يعيدون التمركز في مناطق أخرى، والشرطة تحافظ على وجودها، بينما انتقل الملف إلى أعلى المستويات السياسية في مدريد.
