يواصل النشاط البحري تعزيز حضوره في المشهد الاقتصادي لمدينة طنجة، وهذه المرة من بوابة ميناء الصيد، الذي سجل ارتفاعًا لافتًا في حجم مفرغات الصيد الساحلي والتقليدي خلال الأشهر السبعة الأولى من سنة 2026.
فحتى نهاية يوليوز الماضي، بلغت الكميات المفرغة بميناء طنجة نحو 5,239 طنًا، مسجلة زيادة قوية بنسبة 98 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، وفق المعطيات الصادرة عن المكتب الوطني للصيد.
هذه القفزة تعني أن حجم المفرغات بالميناء اقترب من الضعف في ظرف سنة واحدة، في مؤشر يعكس انتعاشًا واضحًا في النشاط المرتبط بالصيد البحري بعاصمة البوغاز.
146 مليون درهم قيمة المنتجات المفرغة بميناء طنجة
ولم يقتصر التحسن على حجم الكميات، إذ ارتفعت القيمة التجارية الإجمالية للمفرغات بدورها إلى حوالي 146.15 مليون درهم، بزيادة تناهز 14 في المائة على أساس سنوي.
غير أن الفارق الكبير بين نمو الكميات، الذي بلغ 98 في المائة، ونمو القيمة، الذي توقف عند 14 في المائة، يقدم قراءة اقتصادية تستحق الانتباه.
فالزيادة الكبيرة في حجم الأسماك والمنتجات البحرية الوافدة إلى الميناء لا تعني بالضرورة ارتفاعًا مماثلًا في المداخيل، بالنظر إلى اختلاف أسعار الأصناف المفرغة وحجم الطلب عليها وقيمتها في السوق.
الأسماك السطحية تتصدر مفرغات الصيد في طنجة
وكانت الأسماك السطحية أحد المحركات الرئيسية لهذه الدينامية، بعدما وصلت كمياتها إلى نحو 3,630 طنًا خلال الفترة الممتدة من يناير إلى نهاية يوليوز 2026، ويمثل ذلك ارتفاعًا بنسبة 111 في المائة مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق.
أما قيمتها التجارية فبلغت نحو 74.39 مليون درهم، بزيادة تقدر بـ18 في المائة، ما يجعل هذا الصنف يحتل مكانة بارزة في حصيلة نشاط ميناء الصيد بطنجة.
قفزة أكبر في الأسماك البيضاء
وسجلت الأسماك البيضاء بدورها أرقامًا قوية، حيث ارتفع حجم مفرغاتها بنسبة 125 في المائة ليصل إلى حوالي 999 طنًا، كما ارتفعت قيمتها بنحو 35 في المائة لتبلغ قرابة 35.17 مليون درهم.
وتكشف هذه الأرقام أن الانتعاش الذي عرفه الميناء لم يكن مرتبطًا بصنف واحد فقط، بل شمل عددًا من المنتجات البحرية بنسب متفاوتة.
الكميات ترتفع لكن القيمة لا تسير دائمًا في الاتجاه نفسه
وتبرز الأرقام المتعلقة بالرخويات والقشريات جانبًا آخر من أداء القطاع، ففي الوقت الذي ارتفعت فيه كمية الرخويات بنسبة 32 في المائة، تراجعت قيمتها المالية بنسبة 7 في المائة. كما زادت كمية القشريات بنحو 11 في المائة، مقابل انخفاض قيمتها بنسبة 12 في المائة.
وتوضح هذه المفارقة أن تقييم أداء الصيد البحري لا ينبغي أن يعتمد على عدد الأطنان وحده، إذ تبقى القيمة التجارية للمصطادات وتركيبتها عنصرين أساسيين لفهم المردودية الاقتصادية الحقيقية للنشاط.
طنجة تتجاوز وتيرة النمو المسجلة وطنيًا
وتزداد أهمية أرقام ميناء طنجة عند مقارنتها بالحصيلة المسجلة على الصعيد الوطني.
فمفرغات الصيد الساحلي والتقليدي في المغرب بلغت حوالي 551,547 طنًا خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، بارتفاع قدره 5 في المائة، فيما تجاوزت قيمتها 6.28 مليارات درهم، بزيادة تناهز 2 في المائة.
وبالتالي، فإن تسجيل طنجة نموًا قدره 98 في المائة من حيث الكميات يضع أداء الميناء خلال هذه الفترة في مستوى أعلى بكثير من معدل التطور الإجمالي المسجل وطنيًا.
الصيد البحري وجه آخر لاقتصاد طنجة
غالبًا ما يرتبط اسم طنجة اليوم بالمصانع الكبرى، وصناعة السيارات، والمناطق الحرة، وميناء طنجة المتوسط وشبكات النقل واللوجستيك الدولية.
لكن خلف هذه الصورة الصناعية الحديثة، يحتفظ البحر بمكانته داخل الدورة الاقتصادية لطنجة.
فنشاط الصيد لا يتوقف عند وصول القوارب وتفريغ الأسماك، بل يمتد إلى شبكة واسعة من الأنشطة المرتبطة بالتجارة والنقل والتبريد والتوزيع والتسويق، فضلًا عن فرص العمل المباشرة وغير المباشرة التي يوفرها القطاع.
والقفزة المسجلة خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026 تؤكد استمرار هذا النشاط في لعب دوره داخل الاقتصاد المحلي، في وقت تتسع فيه قاعدة القطاعات المنتجة بمدينة البوغاز.
هل يحافظ ميناء طنجة على هذا الزخم حتى نهاية 2026؟
ستكون نتائج الأشهر المتبقية من السنة حاسمة لمعرفة ما إذا كان ميناء طنجة قادرًا على الحفاظ على وتيرة النمو الحالية.
لكن المؤكد حتى الآن أن تسجيل 5,239 طنًا خلال سبعة أشهر، بزيادة 98 في المائة، يمثل تطورًا لافتًا يستحق المتابعة، خصوصًا إذا تمكن ارتفاع الكميات خلال المرحلة المقبلة من الانعكاس بصورة أكبر على القيمة الاقتصادية للمفرغات.
وبين البحر والصناعة واللوجستيك والسياحة، تواصل طنجة توسيع ملامح اقتصادها، بينما يظل ميناء الصيد شاهدًا على علاقة قديمة بين المدينة والبحر، تتجدد اليوم بأرقام جديدة.
