بين مدينة تركض بخطى متسارعة ومجنونة نحو المستقبل، وشباب يحاول اللحاق بإيقاعها، تبرز نافذة أخرى على وجه آخر من وجوه طنجة اليوم؟ وجه لا تصنعه المشاريع الكبرى ولا الواجهات الحديثة، بل ترسم تفاصيله أجور محدودة، وإيجارات تثقل كاهل الشباب، وأحلام بالاستقلال تصطدم أحيانًا بحسابات الحياة اليومية العسيرة.
فمعظم شباب مدينة طنجة أصبحوا يرون في الضفة الأوروبية القريبة أفقًا آخر لحياة يعتقدون أنها قد تمنحهم فرصًا أوسع.
لكن الأمر في طنجة لا يتوقف فقط عند سؤال الهجرة وحده؟ وإنما يتعداه ليغوص في الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تجعل الفكرة جذابة حتى بالنسبة إلى شباب يدرسون أو يعملون.
طنجة مدينة تتغير بسرعة
لم تعد طنجة خلال السنوات الأخيرة مجرد بوابة شمالية للمغرب، فقد تحولت المدينة إلى قطب اقتصادي وصناعي وسياحي كبير، مدعومًا بمشاريع وبنيات تحتية واستثمارات أعادت تشكيل موقعها على الخريطة الاقتصادية للمملكة. لكن خلف هذه الصورة المتسارعة، تظهر معادلة أكثر تعقيدًا.
فالنمو الذي تعرفه المدينة ترافق أيضًا مع ارتفاع تكاليف السكن والمعيشة، وهو ما يجعل الاستقلال بالنسبة إلى جزء من الشباب مهمة ليست سهلة، خصوصًا عندما تبقى المداخيل بعيدة عن الارتفاع بالوتيرة نفسها.
ومن هنا يتسائل معظم الشباب: هل نستطيع مواكبة التحول الاقتصادي والاجتماعي الذي تعرفه مدينتنا؟
فإيجار مسكن متواضع في بعض الأحياء الشعبية القريبة من وسط مدينة طنجة، يصل إلى نحو “2500 درهم شهريًا”، وحين يوضع هذا الرقم بجانب دخل شاب في بداية مساره المهني، تتضح صعوبة المعادلة بشكل جلي.
مدينة باهظة في أعين شبابها
ومعلوم أن طنجة أصبحت من أكثر مدن شمال أفريقيا كلفة، وهو توصيف يسلط الضوء على التحولات التي عرفها سوق العقار ونمط الحياة داخل المدينة خلال السنوات الأخيرة بالمدينة.
فطنجة أصبحت وجهة للاستثمار والسياحة والإقامة تستقطب باستمرار رؤوس أموال وسكانًا جددًا، بينما شهدت مناطق عديدة منها ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار العقارات والإيجارات.
وبالنسبة إلى الشباب، لا تُقاس جاذبية المدينة بعدد المشاريع الجديدة وحدها، بل بقدرتهم أيضًا على العثور على وظيفة مستقرة وسكن يمكن تحمل تكلفته وإمكانية تأسيس حياة مستقلة.
العمل موجود لكن الاستقرار ليس مضمونًا
إحدى النقاط المهمة التي يثيرها الشباب دائمآ في نقاشاتهم، هي أن التفكير في الهجرة لم يعد مرتبطًا بالبطالة وحدها فقط.
فبعض الشباب يدرسون، وبعضهم الآخر يعمل بالفعل، ومنهم من يحمل مؤهلات أكاديمية عالية، ومع ذلك، يظل الشعور بعدم القدرة على التقدم حاضرًا لدى جزء منهم بشكل كبير، فنسبة مهمة من الشباب الحاصلين على تعليم عالٍ تشتغل في وظائف لا تتناسب بالضرورة مع مستوى تكوينها.
وهنا تظهر مشكلة مختلفة عن غياب الوظيفة تمامًا وهي: “وجود العمل دون أن يكون كافيًا لصناعة الاستقرار لدى معظم الشباب”.
فالوظيفة التي لا تسمح لصاحبها باستئجار منزل أو التخطيط للمستقبل قد تتحول، مع مرور الوقت، إلى مصدر للإحباط بدل أن تكون بداية لمسار اجتماعي صاعد.
أوروبا التي يمكن رؤيتها من طنجة
في طنجة، تحمل فكرة الهجرة خصوصية جغرافية ونفسية لا توجد بالحدة نفسها في مدن أخرى. فأوروبا ليست مفهومًا بعيدًا على الخريطة.
ففي الأيام الصافية، يمكن للعين المجردة أن ترى الضفة الأخرى من المدينة، السفن تعبر المضيق بلا توقف، والموانئ والمطارات تربط طنجة يوميًا بمدن أوروبية عديدة. هذا القرب يجعل المسافة بين الحلم والواقع تبدو أقصر مما هي عليه بالفعل.
غير أن المضيق الذي يبدو ضيقًا جغرافيًا قد يكون واسعًا جدًا عندما يتعلق الأمر بالهجرة غير النظامية، بما تحمله من مخاطر قانونية وإنسانية قد تصل في كثير من الأحيان إلى فقدان الحياة.
من “طنجة إلى سبتة” الحلم نفسه بطرق مختلفة
فجزء مهم من هذه القصة له علاقة وطيدة بأحداث سبتة الأخيرة، لأنه لا يمكن بحال من الأحوال فصل سخط الشباب عن الأوضاع الاجتماعية بمحاولاتهم الوصول إلى سبتة المحتلة بالشكل الذي رأيناه جميعآ؟
لأن اختزال الظاهرة في الرغبة في عبور الشباب إلى الضفة الأخرى عبر سبتة لوحده يفرز لنا قراءة ناقصة تمامآ، لأن جل الشباب يبحث عن فرصة حقيقية للتقدم الاجتماعي، وعن دخل أفضل، وعن شعور بأن سنوات الدراسة والعمل يمكن أن تقود في النهاية إلى حياة أكثر استقرارًا.
طنجة بين نجاح اقتصادي وتحدٍ اجتماعي
من المُجحِف إنكار حجم التحول الذي عرفته طنجة خلال العقدين الأخيرين. فالمدينة أصبحت جزءًا أساسيًا من المنظومة الصناعية المغربية، وتطورت بنياتها التحتية، واتسعت خريطتها العمرانية، وتعزز حضورها السياحي والاستثماري بشكل واضح، غير أن نجاح المدن لا يُقاس بالمشاريع وحدها.
فالتحدي الأكبر هو أن يتحول النمو الاقتصادي إلى “فرص يشعر بها السكان في حياتهم اليومية”، وأن يستطيع الشاب الذي يعمل داخل المدينة أن يسكن فيها، ويؤسس أسرته، ويبني مستقبله دون أن تصبح الهجرة إلى الضفة الآخرى هي الطريق الوحيد الذي يتخيله للخروج من دائرة الانتظار.
طنجة التي يريد الشباب البقاء فيها
ربما تكون المفارقة الأكثر إثارة للاهتمام أن الشباب الذين يفكر في الرحيل لا يرفض طنجة بالضرورة؟
بل يبحث، في جوهر الأمر، عن إمكانية العيش بصورة أفضل، وهذا هو السؤال الذي يجب استحضاره الآن، وغدآ: كيف يمكن لمدينة تحقق كل هذا النمو أن تجعل شبابها يشعرون بأن المستقبل يمكن أن يبدأ من هنا أيضًا؟
فطنجة لا تحتاج فقط إلى أن تكون مدينة تجذب المستثمرين والسياح والوافدين فقط، بل إلى أن تبقى مدينة يستطيع أبناؤها أنفسهم أن يحلموا داخلها بحاضر ومستقبل أفضل.
