حين يُذكر اسم غور فيدال (Gore Vidal)، يتبادر إلى الأذهان واحد من أكثر الأدباء الأمريكيين تأثيرًا وإثارةً للجدل. فقد كان روائيًا وكاتب مقالات ومسرحيًا وسيناريستًا ومفكرًا سياسيًا، عُرف بأسلوبه الساخر ونقده اللاذع للسلطة والسياسة والمجتمع الأمريكي حينها.
ورغم أن اسمه ارتبط أساسًا بالولايات المتحدة وأوروبا، فإن مدينة طنجة كانت واحدة من المحطات التي تركت أثرًا في حياته، خلال الفترة التي تحولت فيها المدينة إلى ملتقى عالمي للأدباء والفنانين والمثقفين من مختلف بقاع العالم.
الميلاد والنشأة والبداية المبكرة مع الثقافة
وُلد غور فيدال في 3 أكتوبر 1925 داخل الأكاديمية العسكرية الأمريكية في ويست بوينت بولاية نيويورك، ونشأ في عائلة ذات نفوذ سياسي، إذ كان جده السيناتور الأمريكي توماس غور من أبرز الشخصيات السياسية في الولايات المتحدة وقتها.
ومنذ طفولته، ارتبط بالكتب ارتباطًا وثيقًا، بعدما اعتاد قراءة الصحف والكتب لجده الكفيف، الأمر الذي ساعده على تنمية لغته وثقافته في سن مبكرة، كما خدم في البحرية الأمريكية خلال الحرب العالمية الثانية، وهي تجربة انعكست لاحقًا في أولى رواياته.
بداية أدبية صنعت اسماً عالمياً مرموقآ
في عام 1946 نشر غور فيدال روايته الأولى “Williwaw”، التي استلهم أحداثها من تجربته العسكرية، ونالت استحسان النقاد.
لكن الشهرة الحقيقية جاءت بعد سنتين فقط، عندما أصدر رواية “The City and the Pillar”، التي أحدثت جدلاً واسعًا بسبب تناولها موضوعات كانت تُعتبر من المحرمات في ذلك الوقت داخل المجتمع الأمريكي.
ورغم الانتقادات التي واجهها، واصل فيدال مسيرته بثقة، ليصبح لاحقًا أحد أبرز الروائيين الأمريكيين، ويؤلف عشرات الروايات والدراسات التاريخية والمقالات السياسية، إلى جانب مساهماته في كتابة السيناريو للسينما والتلفزيون.
طنجة المدينة التي جذبت كبار المبدعين
في خمسينيات القرن الماضي، لم تكن طنجة مجرد مدينة مغربية مطلة على البحر، بل كانت واحدة من أكثر المدن انفتاحًا في العالم، بفضل وضعها الدولي الذي جعلها تستقطب الأدباء والرسامين والموسيقيين والمفكرين.
وكان الكاتب الأمريكي بول بولز قد استقر في طنجة منذ أواخر الأربعينيات، ليصبح منزله ملتقى لأشهر الأدباء الغربيين كما سبق وذكرنا في مقالات أخرى.
وفي هذا المناخ الثقافي، زار غور فيدال طنجة أكثر من مرة، حيث وجد فيها فضاءً مختلفًا عن المدن الغربية، بعيدًا عن الضغوط السياسية والإعلامية التي كانت تحيط به في الولايات المتحدة.
إقامة قصيرة لكنها مؤثرة
لم يكن غور فيدال من المقيمين الدائمين في طنجة، لكنه أمضى بها فترات متفرقة خلال زياراته للمغرب، حيث كان يلتقي بمجموعة من أشهر الكتاب الذين اختاروا المدينة مقرًا لهم أو محطة رئيسية في حياتهم، وخلال تلك الزيارات، شارك في لقاءات أدبية وفكرية داخل المقاهي والبيوت التاريخية التي كانت تحتضن نقاشات طويلة حول الأدب والسياسة والفلسفة، في زمن كانت فيه طنجة تُعرف بأنها العاصمة غير الرسمية للمثقفين الأجانب.
وقد شكّلت تلك البيئة الثقافية الغنية فرصة لفيدال لتبادل الأفكار مع أسماء بارزة مثل بول بولز، وترومان كابوتي، وويليام بوروز، وغيرهم من رموز الأدب العالمي.
هل كتب غور فيدال عن طنجة؟
على خلاف بول بولز أو الكاتب المغربي محمد شكري، لم يخصص غور فيدال كتابًا أو رواية كاملة عن طنجة. إلا أن المدينة بقيت جزءًا من ذاكرته الثقافية، وظهرت في بعض أحاديثه وسيرته باعتبارها إحدى المدن التي وفرت له الهدوء والحرية والاختلاط بنخبة من كبار المفكرين والفنانين في مرحلة مهمة من حياته.
ولهذا السبب، يضعه عدد من الباحثين ضمن الجيل الذهبي من الأدباء العالميين الذين ارتبطت أسماؤهم بمدينة طنجة خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي.
إنتاج أدبي غزير
امتدت مسيرة غور فيدال لأكثر من ستين عامًا، وأصدر خلالها عشرات الأعمال الأدبية والفكرية، من أشهرها:
Julian
Burr
Lincoln
Myra Breckinridge
Empire
Hollywood
Palimpsest (السيرة الذاتية)
كما كتب كذلك المئات من المقالات السياسية والثقافية التي نُشرت في كبريات الصحف والمجلات الأمريكية وقتها.
مفكر لم يتوقف عن إثارة الجدل
لم يكن غور فيدال مجرد روائي عادي، بل كان أحد أبرز المثقفين الذين دخلوا في سجالات فكرية كثيرة مع سياسيين وإعلاميين وكتاب أمريكيين.
وقد اشتهر كثيرآ بانتقاداته للحروب الأمريكية، ودفاعه عن الحريات الفردية، وانتقاده لما اعتبره هيمنة المؤسسة السياسية على القرار الثقافي والإعلامي.
وقد جعلته هذه المواقف واحدًا من أكثر الشخصيات تأثيرًا في الحياة الفكرية الأمريكية خلال القرن العشرين.
رحيله وبقاء إرثه
توفي غور فيدال في 31 يوليوز 2012 عن عمر ناهز 86 عامًا، بعدما ترك خلفه إرثًا أدبيًا وفكريًا ضخمًا لا يزال يُقرأ ويُناقش حتى اليوم.
ورغم أن علاقته بمدينة طنجة لم تكن بطول إقامة بعض الأدباء الآخرين، فإن وجوده ضمن الدائرة الثقافية التي ازدهرت في المدينة خلال العصر الدولي يجعل اسمه جزءًا من الذاكرة الأدبية لطنجة، المدينة التي استطاعت أن تجمع، في فترة واحدة، أسماء صنعت تاريخ الأدب العالمي.
فقصة غور فيدال مع طنجة تؤكد مرة أخرى أن المدينة لم تكن مجرد فضاء جغرافي، بل كانت مختبرًا ثقافيًا عالميًا جذب أبرز المفكرين والروائيين والشعراء. وبين أزقتها العتيقة ومقاهيها المطلة على البحر، وُلدت صداقات أدبية، وتبادلت الأفكار التي أثرت في أعمال كثير من الكتاب الذين مروا بها، ليبقى اسم طنجة حاضرًا في ذاكرة الأدب العالمي، حتى بعد مرور عقود على تلك المرحلة الاستثنائية المميزة.
