تواصل مدينة طنجة ترسيخ مكانتها كواحدة من أسرع المدن المغربية نموًا، بعدما أظهرت مؤشرات دولية حديثة أن تكلفة المعيشة بها أصبحت من بين الأعلى في شمال إفريقيا، في تطور يعكس حجم التحولات الاقتصادية والعمرانية التي شهدتها المدينة خلال السنوات الأخيرة.
ويستند هذا التصنيف إلى بيانات صادرة عن منصة “Numbeo” المتخصصة في مقارنة تكاليف المعيشة عالميًا، والتي تعتمد على مساهمات المستخدمين في احتساب مؤشرات أسعار السكن والخدمات والنقل والمواد الاستهلاكية والمطاعم وغيرها من النفقات اليومية.
ورغم أن هذه المؤشرات لا تُعد إحصاءات رسمية، فإنها تُستخدم على نطاق واسع لرصد اتجاهات تكاليف المعيشة بين المدن والدول.
مدينة تنمو بسرعة
لم يعد اسم طنجة مرتبطًا فقط بموقعها الجغرافي المطل على مضيق جبل طارق، بل أصبحت خلال العقد الأخير قطبًا اقتصاديًا وصناعيًا ولوجستيًا من الطراز الأول، فقد ساهمت مشاريع كبرى، على رأسها ميناء طنجة المتوسط، والمنطقة الصناعية لطنجة أوتوموتيف سيتي، وشبكات الطرق والسكك الحديدية.. في استقطاب استثمارات وطنية وأجنبية ضخمة.
هذا النمو الاقتصادي انعكس بشكل مباشر على سوق العقار والخدمات، حيث ارتفع الطلب على السكن، خصوصًا في الأحياء الحديثة والمناطق القريبة من المراكز الاقتصادية، وهو ما أدى إلى زيادة أسعار البيع والإيجار مقارنة بما كانت عليه الأمور في مدينة طنجة قبل سنوات.
العقار في صدارة أسباب ارتفاع التكلفة
يرى عدد من المتابعين للشأن الاقتصادي في طنجة أن العقار يمثل أحد أبرز العوامل التي ساهمت في ارتفاع تكلفة المعيشة بالمدينة، إذ تعرف السوق العقارية طلبًا متزايدًا من المستثمرين والأسر القادمة من الضواحي ومن مختلف مناطق المغرب، إضافة إلى اهتمام متزايد من الأجانب الراغبين في الاستقرار أو الاستثمار بمدينة طنجة.
كما ساهم توسع المشاريع السياحية والتجارية وافتتاح مراكز تجارية جديدة ومرافق ترفيهية في رفع أسعار بعض الخدمات، بالتوازي مع تحسن مستوى العرض في عدد من القطاعات.
اقتصاد قوي وتحديات اجتماعية كبرى
في المقابل، يطرح هذا التطور تحديات حقيقية كبرى أمام فئات واسعة من السكان، خاصة فيما يتعلق بارتفاع تكاليف السكن والإنفاق اليومي، فإن كان النمو الاقتصادي يشكل عامل جذب للاستثمار وخلق فرص كثيرة للشغل، فإنه بالمقابل تظل المحافظة على القدرة الشرائية وتحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية والبعد الاجتماعي من أبرز الرهانات والتحديات المطروحة أمام الفاعلين المحليين بعروس الشمال اليوم ومستقبلآ.
ويؤكد خبراء الاقتصاد أن المدن التي تشهد استثمارات كبرى غالبًا ما تعرف ارتفاعًا تدريجيًا في تكاليف المعيشة، وهو ما يجعل التخطيط الحضري وتوسيع العرض السكني وتحسين خدمات النقل العمومي عناصر أساسية لضمان نمو متوازن ومستدام لمدينة طنجة.
طنجة وجهة استثمارية متقدمة
ورغم هذا الارتفاع في تكاليف المعيشة، ما تزال طنجة تحتفظ بجاذبية كبيرة لدى المستثمرين، وذلك بفضل موقعها الاستراتيجي بين أوروبا وإفريقيا، وبنيتها التحتية الحديثة، ومناخ الأعمال الذي جعلها واحدة من أهم المراكز الاقتصادية في البلاد.
وتشير العديد من مؤشرات الاستثمار إلى استمرار تنفيذ مشاريع جديدة في مجالات الصناعة والخدمات واللوجستيك والسياحة بطنجة، وهو ما يُرجِح استمرار الدينامية الاقتصادية التي تعرفها المدينة خلال السنوات المقبلة.
ويبقى تصنيف طنجة ضمن المدن الأعلى تكلفة للمعيشة مؤشرًا على حجم التحولات التي عرفتها المدينة، لكنه في الوقت نفسه يسلط الضوء على ضرورة مواكبة هذا النمو بسياسات تعزز الولوج إلى السكن، وتحافظ على جودة العيش، وتضمن استفادة مختلف فئات المجتمع الطنجاوي من ثمار التنمية التي تعرفها المدينة.
