تتجه مدينة طنجة بخطوات متسارعة نحو تعزيز مكانتها على خريطة السياحة الراقية، في ظل مشاريع فندقية جديدة واستثمارات تستهدف إعادة إحياء بعض المعالم التاريخية للمدينة، بالتوازي مع دخول علامات عالمية إلى سوق الضيافة بعاصمة البوغاز.
هذا التحول لا يبدو معزولًا عن الطفرة السياحية التي يشهدها المغرب، بل يأتي ضمن مرحلة جديدة تراهن فيها المملكة على رفع جودة العرض السياحي وزيادة الطاقة الإيوائية، استعدادًا للاستحقاقات الكبرى المقبلة وفي مقدمتها كأس العالم 2030.
فندق كونتيننتال أيقونة تاريخية تستعد لحياة جديدة
يقف “فندق كونتيننتال” في قلب هذا التحول، باعتباره واحدًا من أشهر المعالم الفندقية والتاريخية في طنجة.
الفندق، الذي يعود تاريخ تأسيسه إلى القرن التاسع عشر، ارتبط لعقود بصورة طنجة الدولية واستقبل شخصيات ودبلوماسيين وفنانين ومسافرين من مختلف أنحاء العالم، قبل أن يفقد تدريجيًا جزءًا من بريقه مع تغير المشهد السياحي والفندقي للمدينة.
وتشير المعطيات المتداولة حول المشروع إلى توجه لتحويل هذا المبنى التاريخي إلى منشأة فندقية فاخرة مرتبطة بمجموعة “Royal Mansour”، في عملية لا تقتصر على تحديث الغرف والمرافق، وإنما تشمل مشروعًا أوسع يهدف إلى منح الفندق مكانة جديدة مع الحفاظ على القيمة التاريخية لموقعه المطل على المدينة القديمة والميناء.
المدينة العتيقة تدخل معادلة السياحة الراقية
وتبرز أهمية المشروع في كونها تتجاوز فندق كونتيننتال نفسه، لأن موقعه عند أسوار المدينة القديمة يجعله جزءًا من التحولات التي عرفها المركز التاريخي لطنجة خلال السنوات الماضية.
فبعد مشاريع ترميم وتأهيل عدد من الأزقة والساحات والمعالم التاريخية، باتت المدينة العتيقة عنصرًا أساسيًا في الجاذبية السياحية لطنجة، خصوصًا بالنسبة للزوار الباحثين عن تجربة تجمع بين التاريخ والثقافة المغربية والإطلالة على مضيق جبل طارق.
ويمنح الاستثمار في فندق تاريخي بدل تشييد منشأة حديثة فقط رسالة مختلفة للسياحة الطنجاوية، تقوم على تحويل التراث المعماري نفسه إلى جزء من التجربة السياحية الراقية.
علامات فندقية عالمية تراهن على طنجة
ولا يقتصر التحول على فندق كونتيننتال فقط، فطنجة أصبحت تجذب اهتمام مجموعات فندقية دولية تسعى إلى تعزيز وجودها في المدينة، بالتزامن مع توسع الطلب السياحي وتحسن البنية التحتية والربط الجوي والبحري.
ومن أبرز المشاريع المعلنة مشروع “Sofitel Tangier” على كورنيش المدينة، في إطار توسيع الشراكة بين “Accor” و”Risma”. وينتظر أن يوفر المشروع إطلالات على المضيق ويضيف عنوانًا جديدًا إلى سوق الفنادق الراقية في طنجة.
كما كانت مجموعة “Hilton” قد أعلنت عن مشروع “Canopy by Hilton Tangier Bay”، في مؤشر إضافي على الاهتمام المتزايد للعلامات الدولية بالسوق السياحية في مدينة طنجة.
طنجة تستفيد من طفرة السياحة المغربية
وتأتي هذه المشاريع في وقت يعيش فيه القطاع السياحي المغربي مرحلة توسع ملحوظة. فقد اقترب المغرب خلال سنة 2025 من عتبة 20 مليون سائح، بالتزامن مع ارتفاع الإيرادات السياحية وتوسع الطاقة الفندقية في عدد من المدن.
وأصبحت الاستثمارات الجديدة تتجه بصورة أكبر نحو الفنادق المصنفة والمنتجعات ومشاريع الضيافة الراقية، بدل تركيز هذا النوع من السياحة في مراكش وحدها.
وهنا تظهر فرصة طنجة، بما تمتلكه من موقع استراتيجي قريب من أوروبا ومطار دولي وميناء للركاب وواجهة بحرية وتراث معماري وثقافي متميز.
من السياحة الموسمية إلى وجهة تعمل طوال السنة
أحد أكبر التحديات أمام طنجة ظل لسنوات مرتبطًا بموسمية النشاط السياحي، حيث يرتفع الإقبال بشكل كبير خلال أشهر الصيف قبل أن يتراجع نسبيًا في فترات أخرى من السنة.
لكن نمو الفنادق الراقية والسياحة الثقافية وسياحة الأعمال والمؤتمرات يمكن أن يساعد المدينة على جذب فئات متنوعة من الزوار على مدار العام.
فالزائر الذي يبحث عن المدينة القديمة والمتاحف والمطاعم الراقية والتاريخ الدولي لطنجة أو لقاءات الأعمال لا يرتبط بالضرورة بموسم الاصطياف.
ومن شأن تطوير هذا النوع من العرض أن يرفع متوسط إنفاق الزائر، ويخلق فرصًا جديدة أمام المطاعم والنقل السياحي والمرشدين والحرفيين والمتاجر والخدمات المحلية.
مونديال 2030 يسرع الاستثمارات
ولا يمكن فصل الدينامية الحالية عن استعداد المغرب لاستضافة كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال، فالمملكة تستهدف بلوغ عتبة”26 مليون سائح بحلول 2030″، وهو ما يتطلب توسيع الطاقة الفندقية وتحسين جودة الخدمات وزيادة الربط الجوي وتطوير المنتجات السياحية.
وبفضل موقع طنجة الاستراتيجي “تبعد حوالي 14 كيلومتر” فقط من الضفة الأوروبية لمضيق جبل طارق، فإن المدينة مرشحة للاستفادة من الحركة السياحية المتوقعة خلال السنوات التي تسبق المونديال وبعده.
طنجة تبحث عن مكانها بين وجهات السياحة الفاخرة
فالتحول الجاري في القطاع الفندقي يعكس مرحلة جديدة في تاريخ السياحة بعاصمة البوغاز.
فبعد عقود كانت خلالها شهرة طنجة الدولية مرتبطة بفنادقها القديمة ومقاهيها وكتابها وفنانيها، تحاول المدينة اليوم إعادة توظيف هذا الإرث ضمن نموذج سياحي حديث يجمع بين التاريخ والرفاهية.
وإذا نجحت مشاريع إعادة تأهيل المباني التاريخية بالتوازي مع دخول الفنادق العالمية الجديدة، فقد تتحول طنجة خلال السنوات المقبلة من وجهة سياحية صيفية بالدرجة الأولى إلى واحدة من أبرز وجهات السياحة الراقية في شمال المغرب وغرب البحر الأبيض المتوسط.
