تواصل طنجة تعزيز موقعها كواحدة من أبرز القواعد الصناعية لصناعة السيارات في المغرب وإفريقيا، وهذه المرة باستقطاب اسم أمريكي بارز في عالم تكنولوجيا السيارات، بعدما اختارت مجموعة “Gentex Corporation” المغرب لإقامة وحدة صناعية جديدة موجهة أساسًا لخدمة زبنائها في السوق الأوروبية.
والجديد في المشروع أن المجموعة الأمريكية انتقلت من مرحلة الإعلان عن نيتها الاستثمار في المغرب إلى تأسيس فرعها المغربي تحت اسم “Gentex Technologies Morocco”، مع اتخاذ منطقة “Tanger Automotive City” بطنجة مقرًا له، في خطوة تضع المدينة ضمن شبكة “Gentex” الصناعية الدولية.
هذا ومن المرتقب أن يبدأ الإنتاج خلال سنة “2028”، وفق الجدول الزمني الذي أعلنته المجموعة الأمريكية.
من هي “Gentex” التي اختارت طنجة؟
تأسست “Gentex” سنة 1974، ويوجد مقرها الرئيسي في ولاية ميشيغان الأمريكية، وهي شركة متخصصة في تطوير وتصنيع مجموعة من التقنيات والمكونات المتقدمة الموجهة خصوصًا لصناعة السيارات.
واشتهرت الشركة عالميًا بتكنولوجيا المرايا ذاتية التعتيم، كما طورت على مر السنوات أنظمة إلكترونية أكثر تقدمًا، من بينها المرايا الرقمية وأنظمة مراقبة السائق ومقصورة السيارة وتقنيات الزجاج القابل للتحكم في درجة تعتيمه.
وتتعامل “Gentex” مع عدد من كبار مصنعي السيارات في العالم، ما يجعل دخولها إلى طنجة إضافة جديدة إلى منظومة موردي صناعة السيارات التي توسعت بشكل كبير في المدينة خلال السنوات الأخيرة.
لماذا اختارت Gentex المغرب؟
قرار المجموعة الأمريكية لم يكن عشوائيًا، إذ كشفت إدارة Gentex أنها أجرت دراسة موسعة لعدد من المواقع المحتملة في “أوروبا الشرقية وشمال إفريقيا” قبل الاستقرار على المغرب.
وبحسب مسؤولي المجموعة، جرى تقييم عدة عوامل، من بينها المخاطر الجيوسياسية، والاتفاقيات التجارية، واستقرار إمدادات الطاقة، وبرامج التحفيز، والتكاليف الاجتماعية والتشغيلية.
وبعد دراسة هذه المعايير، اعتبرت إدارة “Gentex” أن “المغرب كان الخيار الأفضل”، لكن هناك عاملًا آخر كان حاسمًا في اتخاذ القرار: زبناء الشركة الأوروبيون أنفسهم.
فعدد من مصنعي السيارات في أوروبا أصبحوا يطالبون مورديهم بتقريب مواقع الإنتاج من مصانعهم، بهدف تقليص مخاطر اضطرابات سلاسل التوريد وتجنب الاعتماد المفرط على عمليات الشحن لمسافات طويلة.
وهنا برز المغرب باعتباره قاعدة صناعية قريبة جغرافيًا من أوروبا وقادرة في الوقت نفسه على توفير منظومة متطورة لصناعة السيارات.
طنجة بوابة “Gentex” نحو السوق الأوروبية
اختيار طنجة يمنح المجموعة الأمريكية موقعًا استراتيجيًا على بعد مسافة قصيرة من السوق الأوروبية، وسط منظومة صناعية ولوجستية تطورت حول صناعة السيارات وميناء طنجة المتوسط والمناطق الصناعية المتخصصة.
وتستهدف “Gentex” من خلال الوحدة المغربية أساسًا تزويد مصنعي السيارات العاملين في أوروبا.
وكشفت الشركة أن لديها بالفعل التزامات من عدد من الزبناء، وأن الإعلان عن خطتها للتصنيع في المغرب لقي تجاوبًا إيجابيًا لدى عملائها الأوروبيين، سواء بالنسبة إلى برامج إنتاج قائمة أو مشاريع مستقبلية.
وبذلك لا يتعلق الأمر فقط بإقامة وحدة إنتاج جديدة، بل بجعل المغرب جزءًا من استراتيجية “Gentex “لإعادة تنظيم سلسلة إمداداتها الخاصة بالسوق الأوروبية.
ماذا ستنتج “Gentex” في المغرب؟
لم تحسم المجموعة بعد جميع المنتجات التي ستخرج من الوحدة المغربية، إذ ما تزال المناقشات جارية مع الزبناء بشأن الحجم النهائي للأنشطة الصناعية.
لكن الطلبات الأولية تشمل: المرايا الكهروكرومية ذاتية التعتيم، إلى جانب وحدات إلكترونية متقدمة للسيارات.
وتشير خطة الشركة إلى أن المرحلة الأولى ستتضمن نقل جزء من عمليات التجميع النهائي التي تنفذ حاليًا في الولايات المتحدة إلى المغرب، بينما ستستمر التقنيات والمكونات الأساسية في القدوم من مواقع “Gentex” الحالية.
ويُنتظر أن تتطور طبيعة الإنتاج مستقبلًا بالتوازي مع احتياجات مصنعي السيارات الأوروبيين والبرامج الجديدة التي تسعى “Gentex” إلى الفوز بها.
“2028” موعد بدء الإنتاج
وقد حددت Gentex سنة “2028” موعدًا مستهدفًا لبدء الإنتاج في المغرب. وكانت المجموعة قد أعلنت سابقًا توقيع خطاب نوايا واختيار موقع المشروع والحصول على دعم السلطات المغربية في عملية تأسيس الكيان المحلي، قبل ظهور المعطيات الجديدة المتعلقة بتأسيس “Gentex Technologies Morocco” في طنجة.
في المقابل، لا تزال مجموعة من التفاصيل المهمة غير معلنة حتى الآن، وعلى رأسها “القيمة الإجمالية للاستثمار، والطاقة الإنتاجية النهائية، ومساحة الوحدة الصناعية وعدد فرص العمل التي سيخلقها المشروع”.
لذلك تبقى هذه الأرقام في انتظار إعلانات رسمية لاحقة من المجموعة أو السلطات المغربية.
طنجة تعزز موقعها في صناعة سيارات المستقبل
وصول “Gentex” يحمل دلالة تتجاوز إضافة مصنع جديد إلى الخريطة الصناعية للمدينة. فطنجة أصبحت خلال السنوات الماضية نقطة جذب لمصنعي السيارات وموردي المكونات والتجهيزات، مدعومة بمصنع رونو والمنظومة الصناعية المحيطة به، والمناطق الصناعية المتخصصة، إلى جانب ميناء طنجة المتوسط الذي يوفر اتصالًا بحريًا سريعًا مع الأسواق الأوروبية والدولية.
لكن المرحلة الجديدة تبدو متجهة بصورة متزايدة نحو استقطاب الشركات التي تعمل في “المكونات الإلكترونية والتقنيات الذكية داخل السيارات”، وليس فقط الصناعات التقليدية المرتبطة بتجميع المركبات.
ودخول شركة متخصصة مثل “Gentex” يعزز هذا التحول، خصوصًا مع التطور السريع الذي تعرفه السيارات الحديثة واعتمادها المتزايد على الإلكترونيات والكاميرات وأنظمة مراقبة السائق والتجهيزات الذكية.
طنجة تستفيد من إعادة رسم سلاسل التوريد العالمية
مشروع “Gentex” يكشف أيضًا عن تحول اقتصادي أكبر تستفيد منه طنجة والمغرب، فالشركات العالمية أصبحت بعد الاضطرابات التي شهدتها سلاسل الإمداد الدولية أكثر اهتمامًا بتقريب الإنتاج من الأسواق التي تخدمها، وهي الاستراتيجية المعروفة بـ”التصنيع القريب” أو “Nearshoring”.
وبفضل قربها من أوروبا، وبنيتها الصناعية واللوجستية، أصبحت طنجة واحدة من المواقع التي تستطيع الاستفادة مباشرة من هذا التحول.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة دخول “Gentex” باعتباره مؤشرًا جديدًا على أن المدينة لم تعد فقط منصة لتصنيع السيارات الموجهة للتصدير، بل أصبحت كذلك موقعًا تتنافس عليه الشركات العالمية الراغبة في الاقتراب من المصانع والأسواق الأوروبية.
ومع اقتراب موعد بدء الإنتاج المحدد في 2028، ستكون التفاصيل المقبلة المتعلقة بحجم الاستثمار وعدد الوظائف والطاقة الإنتاجية للمصنع مؤشرات مهمة لتحديد الحجم الحقيقي لهذا المشروع الأمريكي الجديد في مدينة طنجة.
