تواصل طنجة ترسيخ مكانتها كواحدة من أهم العقد اللوجستية في المغرب وحوض البحر الأبيض المتوسط، وهذه المرة من بوابة واحدة من أكبر شركات الشحن في العالم، بعدما عززت مجموعة “Maersk” الدنماركية اعتمادها على محور طنجة–الدار البيضاء لنقل البضائع عبر السكك الحديدية، ضمن نموذج جديد يراهن على طنجة كبوابة بحرية رئيسية نحو السوق المغربية.
التحرك الجديد لا يتعلق بمجرد قطار شحن بين مدينتين، بقدر ما يكشف عن تصور لوجستي أوسع يجمع بين البحر والسكك الحديدية والنقل البري في سلسلة واحدة: تصل البضائع بحرًا عبر طنجة، ثم تواصل رحلتها بالقطار نحو الدار البيضاء، القلب الصناعي والتجاري للمملكة.
وبالنسبة لطنجة، فإن أهمية الخطوة تكمن أساسًا في الدور الذي تمنحه إياها “Maersk” داخل هذه المنظومة، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي واتصالها الواسع بخطوط التجارة البحرية الدولية.
لماذا تراهن “Maersk” على طنجة؟
تقوم الاستراتيجية على معادلة تبدو واضحة: الاستفادة من القوة البحرية واللوجستية لطنجة، وربطها مباشرة بالثقل الاقتصادي للدار البيضاء.
وتعتبر “Maersk” أن طنجة أصبحت واحدة من أكثر النقاط البحرية اتصالًا في المنطقة، بما يسمح للبضائع القادمة عبر شبكتها الدولية بالوصول إلى المغرب من الشمال، قبل نقلها عبر السكك الحديدية نحو أكبر مركز صناعي وتجاري في البلاد.
وتؤكد الشركة أن الخدمة السككية بين طنجة والدار البيضاء أصبحت تعمل بصورة كاملة، مع رحلات منتظمة وتوقيتات نقل أكثر قابلية للتوقع، بما يساعد الشركات على التخطيط لوصول بضائعها وإدارة مخزوناتها بصورة أكثر كفاءة.
ولا تكشف “Maersk” في إعلانها عن العدد الدقيق للقطارات التي ستشغلها أسبوعيًا ضمن الصيغة الحالية، لكنها تصف الربط بأنه “خدمة سككية عالية التردد”؟.
الضغط على ميناء الدار البيضاء يعزز دور طنجة
اختيار طنجة لا ينفصل عن التحولات التي تعرفها حركة البضائع في الموانئ المغربية. فميناء الدار البيضاء عالج حوالي “17 مليون طن من البضائع خلال النصف الأول من سنة 2026″، فيما بلغت الحركة المسجلة خلال يونيو وحده نحو “3.53 ملايين طن”، بارتفاع بلغ “32 في المائة” مقارنة بالشهر نفسه من سنة 2025.
كما يستحوذ ميناء الدار البيضاء على نحو “35 في المائة من إجمالي الحركة المينائية المغربية”.
هذه الكثافة تضع الميناء أمام تحديات مرتبطة بالازدحام والمرونة التشغيلية، وهو ما يجعل توزيع جزء من تدفقات البضائع عبر طنجة ثم نقلها بالقطار إلى الدار البيضاء خيارًا لوجستيًا يسمح بتوفير مسار إضافي أمام الشركات.
وهكذا تتحول طنجة، في هذا النموذج، من مجرد محطة بحرية إلى نقطة دخول يمكن أن تنطلق منها البضائع نحو الأسواق والمراكز الصناعية داخل المغرب.
من السفينة في طنجة إلى القطار نحو الدار البيضاء
النموذج الذي تعتمده “Maersk” يتجاوز النقل البحري والسككي وحدهما، فالرحلة يمكن أن تبدأ بوصول البضائع بحرًا إلى طنجة، ومنها تنتقل عبر خط سككي مخصص نحو الدار البيضاء، قبل استكمال المراحل الأخرى من السلسلة اللوجستية.
وتشمل الخدمات التي تدمجها الشركة إمكانية التخليص الجمركي والتخزين داخل المغرب، ثم نقل الشحنات بالشاحنات في المرحلة الأخيرة حتى وجهتها النهائية.
بهذا الشكل، تسعى “Maersk” إلى تقديم حل متكامل تتحرك فيه الحاوية بين السفينة والقطار والشاحنة ضمن سلسلة واحدة، بدل اعتماد كل وسيلة نقل بشكل منفصل.
وتعتبر المجموعة أن هذا النموذج يوفر للشركات مرونة أكبر ويقلل اعتمادها على مسار لوجستي واحد، خصوصًا في ظل نمو حركة التجارة بين المغرب والأسواق الأوروبية والدولية.
الربط السككي ليس جديدًا لكن الرهان يتوسع
ورغم أن الإعلان الأخير يمنح محور طنجة–الدار البيضاء أهمية أكبر في استراتيجية “Maersk”، فإن نقل حاويات الشركة عبر السكك الحديدية المغربية ليس وليد سنة 2026.
فمعطيات المكتب الوطني للسكك الحديدية تكشف أن “ONCF” نقل خلال سنة 2023 لفائدة “Maersk” حوالي “10 آلاف حاوية مكافئة لعشرين قدمًا” من ميناء طنجة المتوسط إلى ميناء “ONCF” الجاف بالدار البيضاء، مقابل نحو 5 آلاف حاوية خلال سنة 2022.
وتطلب ذلك تشغيل ما يعادل “200 قطار خلال سنة 2023″، بينما وصل الإيقاع حينها إلى خمسة قطارات أسبوعيًا لفائدة “Maersk”.
وتكشف هذه الأرقام أن البنية اللوجستية بين طنجة والدار البيضاء كانت قائمة بالفعل، بينما يتمثل التطور الحالي في تعزيز اعتماد “Maersk” عليها وإدماجها بصورة أوسع في تصورها لسلاسل الإمداد داخل المغرب.
طنجة تتجاوز دور ميناء العبور
الأهمية الاقتصادية لهذا التحول بالنسبة لطنجة تتجاوز عدد القطارات أو الحاويات المنقولة.
فالمدينة ومحيطها راكما خلال السنوات الماضية بنية صناعية ولوجستية جعلت شمال المغرب مرتبطًا بصورة متزايدة بسلاسل الإنتاج والتجارة الدولية.
والتحول الأهم هنا هو أن طنجة لا يُراد لها أن تبقى مجرد نقطة تعبر عبرها الحاويات في طريقها من قارة إلى أخرى، بل أن تصبح كذلك بوابة لدخول جزء من البضائع الموجهة إلى السوق المغربية نفسها.
