بوشتى كراشي – Tanja.tv
ليست المدن العظيمة هي تلك التي تُشيّد مجدها بالحجارة وحدها، وإنما تلك التي تُقيم في ذاكرة التاريخ مقام الشاهد على مصائر الرجال، فتستقبل من لفظتهم العواصم، وتمنح المقهورين فسحةً من الأمان، حتى إذا انقلبت الأيام، كان أولئك الغرباء أنفسهم من صُنّاع التاريخ ومغيّري وجه العالم.
وهكذا كانت طنجة، المدينة التي لا تنتهي عندها الأرض بقدر ما تبدأ منها الحكايات، ففي شتاء عام 1849، استقبلت طنجة رجلاً إيطالياً أنهكته الحروب، وطاردته السياسة، وفجعته الحياة في أعز الناس إليه. لم يكن ذلك الرجل سوى “جوزيبي غاريبالدي”، الثائر الذي سيغدو بعد سنوات أحد أعظم رموز الوحدة الإيطالية، والذي لم يكن يعلم، وهو يعبر مياه المضيق نحو شواطئ المغرب، أن التاريخ يخبئ له من المجد بقدر ما أذاقه من المحن.
من هو جوزيبي غاريبالدي؟ الرجل الذي سبقته الثورة إلى المنفى
وُلد “جوزيبي غاريبالدي” بمدينة نيس سنة 1807، في زمن كانت فيه أوروبا تضطرب بين عروش قديمة وأفكار جديدة، وبين إمبراطوريات تتشبث بسلطانها وشعوب تتطلع إلى تقرير مصيرها.
نشأ قريباً من البحر، واتخذ الملاحة مهنة، غير أن الأقدار كانت تعدّه لرحلة أبعد من حدود السفن والموانئ. فقد انجذب إلى الأفكار القومية التي نادت بتوحيد الأراضي الإيطالية، وانخرط في الحركات الثورية، حتى أصبح اسمه مرادفاً للتمرد على النظام السياسي القائم.
وحين ضاقت به بلاده، حمل قضيته إلى أمريكا الجنوبية، حيث شارك في صراعات سياسية وعسكرية، واكتسب خبرة القتال وقيادة المتطوعين، قبل أن يعود إلى أوروبا محملاً بأحلام الحرية والوحدة.
كان “غاريبالدي” من أولئك الرجال الذين لا تستريح نفوسهم إلى واقع يرونه جائراً، فإذا أُغلقت في وجوههم أبواب السياسة، طرقوا أبواب الثورة، وإذا ضاقت بهم الأرض، جعلوا من البحر طريقاً إلى أُفق آخر.
سقوط روما سنة 1849 حين انكسرت الثورة ولم ينكسر الثائر
في سنة 1849، بلغت مأساة “غاريبالدي” إحدى أشد مراحلها قسوة، بعدما شارك في الدفاع عن الجمهورية الرومانية التي قامت في خضم الثورات الأوروبية.
غير أن الجمهورية الفتية لم تستطع الصمود أمام التدخل العسكري الفرنسي الرامي إلى إعادة السلطة البابوية، فسقطت روما في يوليوز من السنة نفسها، واضطر “غاريبالدي” إلى الانسحاب رفقة أنصاره.
ولم تكن الهزيمة العسكرية وحدها ما أثقل روحه، ففي الرابع من غشت 1849، توفيت زوجته “أنيتا غاريبالدي” أثناء رحلة الفرار، وهي منهكة بالمرض والحمل ومشاق المطاردة، وكانت تلك الفاجعة جرحاً لم تستطع انتصاراته اللاحقة أن تمحوه بسهولة.
فليس أشد على الإنسان من أن يخسر معركته ورفيقة عمره في زمن واحد، إذ قد يعوض القائد جيشاً هُزم، وقد يستعيد السياسي وطناً ضاع، أما القلب إذا فقد من كان يشاركه الطريق، فإن النصر نفسه قد يأتي متأخراً عن عزائه.
وبين مطاردة السلطات وانهيار الجمهورية وفقدان زوجته، بدأ “غاريبالدي” رحلة منفاه الثانية، متنقلاً بين الموانئ والحدود، باحثاً عن أرض تقبله بعدما صار وجوده عبئاً سياسياً على حكومات أوروبا.
طنجة سنة 1849 المدينة التي فتحت أبوابها لرجل أغلق العالم أبوابه في وجهه
بعد سلسلة من التنقلات، وصل “غاريبالدي” إلى جبل طارق في نونبر 1849، غير أن السلطات البريطانية لم تسمح له بإقامة طويلة، وعلى الضفة الجنوبية من المضيق، كانت طنجة تنتظره.
لم تكن المدينة المغربية آنذاك مدينة دولية بالمعنى القانوني الذي ستعرفه لاحقاً خلال القرن العشرين، لكنها كانت بالفعل ملتقى للقناصل والتجار والبحارة والدبلوماسيين، وموقعاً استراتيجياً تتقاطع عنده مصالح القوى الأوروبية مع سيادة الدولة المغربية.
وفي هذا المناخ، وجد الثائر الإيطالي منفذاً إلى الأمان، بعدما عرض عليه القنصل التابع لمملكة سردينيا الإقامة في منزله بطنجة.
وهكذا وصل “غاريبالدي” إلى المدينة في نونبر 1849، ليقيم بها حتى الثالث من يونيو 1850، في واحدة من أقل مراحل حياته شهرة، وإن كانت من أكثرها دلالة على الجانب الإنساني في شخصيته.
كان البحر الذي يفصل طنجة عن أوروبا لا يتجاوز مضيقاً ضيقاً في الجغرافيا، لكنه بالنسبة إلى الرجل المطارد كان فاصلاً بين عالم يطارده وعالم يمنحه هدنة.
ولعل أعجب ما في التاريخ أن الرجل الذي ضاقت به عواصم أوروبا، وجد في مدينة مغربية على تخوم إفريقيا ما افتقده في وطنه: سقفاً يأويه، ووقتاً يتأمل فيه، ومسافةً تفصله عن ضجيج البنادق.
في بيت القنصل بطنجة.. حياة أخرى بعيداً عن المدافع
أقام “غاريبالدي” ضيفاً لدى القنصل البييمونتي جيوفان باتيستا كاربانيتي، الذي وفر له المأوى خلال أشهر المنفى.
ولم تكن إقامته مجرد انتظار ثقيل لسفينة تحمله إلى وجهة جديدة، بل تحولت إلى فترة استراحة وتأمل، بعد سنوات من الحروب والمغامرات السياسية.
وتذكر المصادر التاريخية أن “غاريبالدي” كان يمضي أوقاتاً طويلة في الطبيعة، ويهتم بالصيد والبحر، ويصنع بعض أدوات الصيد والأشرعة، كما كان يمارس أعمالاً يدوية بسيطة.
وكان يخرج أحياناً برفقة كلبه، ويقضي ساعات بعيداً عن صخب المدينة، في مشاهد تكشف جانباً مغايراً لصورة القائد العسكري الذي اعتادت كتب التاريخ تقديمه.
فذلك الرجل الذي عرف هدير المدافع، كان يجد في صمت الطبيعة ما لا تمنحه ساحات القتال؛ والذي اعتاد إصدار الأوامر للجنود، كان يقضي بعض أيامه بين الأشجار والبحر، حيث لا سلطان للإنسان إلا على نفسه.
ولم تكن طنجة، في تلك المرحلة، ساحة انتصار عسكري لغاريبالدي، بل كانت ساحة مواجهة أكثر صعوبة: مواجهة الذكريات، والخيبة، ووحشة الفقد.
بين بحر طنجة وذاكرة أنيتا المنفى الذي أعاد الثائر إلى إنسانيته
لا يمكن فهم إقامة “غاريبالدي” في طنجة دون العودة إلى مأساة زوجته أنيتا، فقد كانت شريكة مغامراته في أمريكا الجنوبية وإيطاليا، ورافقته في مراحل من الصراع والخطر، قبل أن تنتهي حياتها وسط رحلة هروب قاسية. وحين وصل إلى المغرب، كان يحمل من ذكراها ما لا تستطيع المسافات إبعاده.
وتصف بعض السير التاريخية أيامه في طنجة بأنها فترة حاول خلالها تجاوز أشد أحزانه، مستعيناً بالعزلة والطبيعة والعمل اليدوي.
وهنا تتجلى المفارقة الإنسانية العميقة: أن الرجل الذي أراد توحيد أمة بأكملها، كان عاجزاً عن جمع شتات قلبه بعد رحيل امرأة واحدة.
لقد استطاع أن يواجه الجيوش، لكنه لم يكن يستطيع أن يأمر الذكرى بالانسحاب، وأن يهزم خصوماً في ساحات الحرب، لكنه لم يجد سلاحاً يرد به غياب من أحب.
ولذلك تبدو طنجة في سيرته أكثر من محطة جغرافية عابرة، إنها فصل من فصول الحزن الإنساني الذي يختبئ خلف صورة الأبطال.
“غاريبالدي” يكتب ذكرياته في طنجة حين يصبح القلم رفيق السيف
من الوقائع اللافتة في إقامته المغربية أن “غاريبالدي” شرع خلال تلك المرحلة في تدوين ذكريات من حياته ومغامراته السابقة، ولا سيما تجربته في أمريكا الجنوبية.
وهكذا اجتمع في طنجة وجهان للرجل نفسه: المحارب الذي صنعته المعارك، والراوي الذي بدأ يستعيد حياته بالكلمات.
وليس يسيراً على رجل عاش الأحداث أن يعود إليها شاهداً ومؤرخاً، لأن الذاكرة لا تستحضر الماضي كما وقع دائماً، بل كما بقي أثره في النفس.
ومع ذلك، فإن الشروع في كتابة المذكرات يكشف أن المنفى لم يكن فراغاً محضاً، وإنما كان فرصة لمراجعة التجربة والتأمل في المسار، نعم لقد صمت السيف قليلاً، ليتكلم القلم.
وإذا كانت المعارك قد صنعت شهرة “غاريبالدي”، فإن الكتابة أتاحت له أن ينظر إلى تلك المعارك من مسافة، وأن يستعيد صورة الرجل الذي كانه قبل أن تتحول حياته إلى قضية عامة.
طنجة قبل الحماية وقبل النظام الدولي ملتقى المنفيين وأصحاب المصائر الكبرى
تكمن أهمية إقامة “غاريبالدي” في طنجة أيضاً في أنها تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر، أي قبل فرض الحماية على المغرب سنة 1912، وقبل قيام النظام الدولي الخاص بمدينة طنجة سنة 1923.
كانت المدينة آنذاك جزءاً من المغرب الخاضع لسلطة السلطان مولاي عبد الرحمن، وتتمتع بمكانة دبلوماسية وتجارية مميزة بسبب موقعها عند مدخل البحر الأبيض المتوسط.
وكانت القنصليات الأجنبية تؤدي أدواراً سياسية وتجارية مهمة، الأمر الذي جعل طنجة نقطة عبور وإقامة لعدد من الأوروبيين، ومن بينهم أشخاص دفعتهم الاضطرابات السياسية إلى مغادرة أوطانهم.
ولم تكن طنجة بحاجة إلى أن تصبح عاصمة لإمبراطورية حتى يكون لها موضع في التاريخ العالمي، فقد منحها موقعها وقدرتها على استقبال الغرباء دوراً تجاوز حدودها الجغرافية.
وإذا كانت بعض المدن تصنع شهرتها بما تملكه من الجيوش والثروات، فإن طنجة صنعت جانباً من شهرتها أيضاً بما احتضنته من حكايات البشر.
الرحيل عن طنجة ونهاية المنفى المغربي وبداية رحلة جديدة
في الثالث من يونيو 1850، انتهت إقامة “غاريبالدي” في طنجة، وغادر المدينة مواصلاً رحلة منفاه التي ستقوده إلى إنجلترا ثم الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي نيويورك، عاش فترة مختلفة تماماً عن حياته العسكرية، وعمل في صناعة الشموع مع مواطنه الإيطالي أنطونيو ميوتشي، قبل أن يعود إلى الملاحة والتنقل عبر البحار.
ولم تكن السنوات اللاحقة أقل اضطراباً، لكنها حملت إليه تدريجياً فرصة العودة إلى القضية التي وهبها حياته.
وفي سنة 1860، قاد حملته الشهيرة المعروفة بـ«حملة الألف»، التي أسهمت بصورة حاسمة في إسقاط حكم مملكة الصقليتين وتهيئة الطريق لتوحيد أجزاء واسعة من إيطاليا.
ثم أُعلنت مملكة إيطاليا سنة 1861، ليصبح “غاريبالدي” واحداً من أبرز رموز حركة التوحيد الإيطالية، المعروفة تاريخياً باسم «الريزورجيمنتو».
ولم يكن الرجل الذي غادر طنجة سنة 1850 قد حقق هذا المجد بعد، لكنه كان يحمل التجربة والعزيمة اللتين ستجعلان اسمه بعد عقد من الزمن، جزءاً من تاريخ أوروبا الحديث.
ماذا بقي من “غاريبالدي” في ذاكرة طنجة؟
بعد أكثر من قرن ونصف على إقامته، لا تزال قصة “غاريبالدي” في طنجة شاهداً على الصلات التاريخية العميقة بين المدينة والعالم.
وقد خُصصت دراسات تاريخية لإقامته المغربية، من أبرزها بحث المؤرخ الفرنسي “جان لويس مييج”، المنشور سنة 1957 بعنوان «غاريبالدي في طنجة 1849–1850»، والذي اعتمد على وثائق ومراسلات أرشيفية لإعادة بناء تفاصيل تلك المرحلة.
كما تناولت دراسات إيطالية لاحقة المباني المرتبطة بإقامته في المدينة، بما يؤكد أن الحكاية ليست مجرد رواية شعبية عابرة، بل واقعة تاريخية تستحق البحث والتوثيق.
وإذا كانت أسماء القادة تُخلّد عادة في ساحات المعارك والتماثيل والميادين، فإن طنجة تحتفظ بغاريبالدي من زاوية مختلفة: زاوية الإنسان الذي جاء إليها قبل أن يكتمل مجده، وهو مثقل بالهزيمة والفقد، ثم رحل منها ليواصل كتابة مصيره.
“غاريبالدي” ومدينة البوغاز حين تكون عظمة المكان فيمن احتضنته
رحل “غاريبالدي” عن الحياة سنة 1882، بعدما أصبح اسمه واحداً من أشهر الأسماء في تاريخ إيطاليا الحديثة.
أما طنجة، فظلت شاهدة على فصل من حياته لم تصنعه البنادق ولا الخطب الثورية الحماسية الرنانة، بل صنعته العزلة والبحر والذاكرة.
ولعل التاريخ، حين يذكر العظماء، يبالغ أحياناً في إحصاء انتصاراتهم وينسى أن يسأل عن لياليهم الموحشة، وعن المدن التي منحتهم ملاذاً حين انفض من حولهم الأنصار.
فلم يكن “غاريبالدي” يوم حلّ بالمدينة قائداً منتصراً يطلب التكريم، وإنما كان رجلاً منفياً يبحث عن الأمان. ولم تكن طنجة يومئذ عاصمة عالمية ذات نظام دولي، بل مدينة مغربية عريقة استطاعت، بموقعها وحضورها الدبلوماسي، أن تكون محطة في سيرة رجل سيغيّر تاريخ وطنه.
وهكذا تظل طنجة مدينةً لا يُقاس مجدها بمن أقام فيها من المشاهير وحدهم، بل بما شهدته من تحولات المصائر، ففي رحابها استراح ثائر مطارد، وعلى شواطئها هدأت عاصفة رجل، قبل أن يعود إلى أوروبا ليوقظ عاصفة التاريخ من جديد.
