لم تعد طنجة تكتفي بموقعها، كبوابةً بحرية بين إفريقيا وأوروبا، ولا بمكانتها التي صنعتها خلال السنوات الأخيرة في صناعات السيارات واللوجستيك والتصدير، فالمدينة تبدو اليوم أمام فصل جديد قد يضعها في قلب واحدة من أكثر الصناعات ارتباطًا باقتصاد المستقبل.
فشركة “H2 Global Energy” السويسرية تمضي في تطوير مشروع صناعي كبير في طنجة لإنتاج “بيروكسيد الهيدروجين المتجدد”، باستثمارات محتملة تقدر بنحو “1.1 مليار دولار”، وطاقة إنتاجية مستهدفة تبلغ حوالي “28 ألف طن سنويًا”، وفق المعطيات التي كشفت عنها صحيفة “Le Matin”.
المشروع ما يزال في مرحلة تطوير تسبق الدراسات الهندسية التفصيلية، ما يعني أن قيمة الاستثمار تبقى تقديرية وليست التزامًا استثماريًا نهائيًا حتى الآن.
وإذا انتقل المشروع من المخططات والدراسات إلى أرض الواقع، فقد يمثل خطوة جديدة في التحول الصناعي الذي تعيشه طنجة، وينقل المدينة من استقطاب الصناعات التقليدية والتصديرية إلى المنافسة على مشاريع مرتبطة بالطاقة النظيفة والكيمياء الخضراء.
مشروع سويسري يختار طنجة لصناعة المستقبل
المعطيات المتوفرة تضع طنجة في قلب المشروع الذي تطوره الشركة السويسرية، والذي يستهدف إنتاج بيروكسيد الهيدروجين باستخدام مسار يعتمد على مصادر متجددة.
وتكمن أهمية المشروع في حجمه وطبيعته معًا، فالحديث لا يتعلق بوحدة صناعية صغيرة، وإنما بمنشأة تستهدف بلوغ إنتاج سنوي في حدود “28 ألف طن”، مع تقديرات أولية للاستثمارات الرأسمالية تصل إلى حوالي “1.1 مليار دولار”.
غير أن المشروع، في مرحلته الحالية، لم يصل بعد إلى القرار الاستثماري النهائي، وهو تفصيل أساسي لفهم الخبر بعيدًا عن المبالغة في الأرقام.
فالأمر يتعلق باستثمار “محتمل” يجري تطويره ودراسة تفاصيله التقنية والاقتصادية، وستظل مراحل الدراسات والهندسة والتمويل والتراخيص عوامل حاسمة قبل الوصول إلى التنفيذ الفعلي.
ما علاقة المشروع بالهيدروجين الأخضر؟
قد يبدو اسم “بيروكسيد الهيدروجين” بعيدًا عن النقاش الدائر حول الهيدروجين الأخضر، لكنه في الواقع يدخل ضمن توجه صناعي أوسع يسعى إلى خفض البصمة الكربونية للمنتجات الكيميائية عبر الاعتماد على الطاقة والمواد الأولية النظيفة.
وبيروكسيد الهيدروجين مادة كيميائية تستخدم في تطبيقات صناعية متعددة، من بينها معالجة المياه وصناعة الورق والنسيج وبعض العمليات الكيميائية والتعقيم.
ومن هنا تأتي أهمية إنتاجه عبر مسارات أكثر استدامة، إذ لم يعد السباق العالمي مقتصرًا على إنتاج الكهرباء النظيفة، بل انتقل إلى “إزالة الكربون من الصناعات والمواد الكيميائية نفسها”.
وهنا بالضبط يمكن أن تجد طنجة موقعًا جديدًا لها داخل سلاسل القيمة المرتبطة بالاقتصاد الأخضر.
لماذا طنجة؟
اختيار طنجة لمشروع من هذا الحجم لا يمكن فصله عن التحول الاقتصادي الكبير الذي عرفته المدينة ومحيطها خلال العقدين الأخيرين.
فالمنطقة تتوفر اليوم على منظومة صناعية ولوجستية متقدمة، يتصدرها “ميناء طنجة المتوسط” وشبكة المناطق الصناعية واللوجستية، إلى جانب قربها الجغرافي الاستثنائي من السوق الأوروبية.
ولا يحتاج المنتج الصناعي في طنجة إلى رحلة طويلة للوصول إلى الضفة الشمالية للمتوسط، فمضيق جبل طارق يجعل المدينة في موقع نادر يجمع بين قاعدة إنتاجية إفريقية وقرب مباشر من أحد أكبر الأسواق الصناعية والاستهلاكية في العالم.
وإذا أضيف إلى ذلك توجه المغرب المتسارع نحو الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، يصبح من السهل فهم الاهتمام المتزايد الذي تبديه مجموعات دولية بالمناطق الصناعية المغربية.
طنجة تتجاوز صناعة السيارات
لسنوات طويلة، ارتبط اسم طنجة اقتصاديًا بنجاح صناعة السيارات، خصوصًا بعد إنشاء “مصنع رونو” وتوسع شبكة الموردين والمصنعين المرتبطين بقطاع السيارات، لكن الخريطة الصناعية للمدينة بدأت تتنوع بصورة أكبر.
فإلى جانب السيارات، أصبحت طنجة تستقطب صناعات مرتبطة بالطيران والإلكترونيات والنسيج واللوجستيك ومكونات السيارات والصناعات المعدنية، بينما بدأت مشاريع الطاقة النظيفة والتكنولوجيا الصناعية المتقدمة تفرض نفسها على أجندة الاستثمارات الجديدة.
والمشروع السويسري المقترح، في حال تنفيذه، يمكن أن يضيف حلقة مختلفة تمامًا إلى هذه السلسلة: “الصناعة الكيميائية الخضراء”.
وهذا التحول مهم بالنسبة إلى طنجة، لأن قوة الاقتصاد الصناعي لا تقاس فقط بعدد المصانع، بل كذلك بمدى تنوع القطاعات ومستواها التكنولوجي وقدرتها على الاندماج في الصناعات المستقبلية.
ماذا يعني استثمار بـ1.1 مليار دولار لاقتصاد طنجة؟
رقم “1.1 مليار دولار”، إذا تحول إلى استثمار فعلي، فإنه سيضع المشروع ضمن الاستثمارات الصناعية الكبرى، لكن الأثر الحقيقي لا يتوقف عند قيمة الأموال التي تضخ في تشييد المنشأة.
فالمشاريع الصناعية من هذا النوع، تحتاج إلى هندسة وتجهيزات وصيانة ولوجستيك وطاقة وخدمات تقنية وموردين، وهو ما قد يخلق نشاطًا اقتصاديًا يتجاوز حدود المصنع نفسه.
كما يمكن لمشروع متخصص في منتجات كيميائية منخفضة الكربون أن يساعد على جذب شركات أخرى مرتبطة بسلسلة الإنتاج أو الاستخدام الصناعي لهذه المواد.
لكن من السابق لأوانه تحديد عدد الوظائف التي قد يوفرها المشروع أو حجم أثره الاقتصادي المباشر قبل صدور تفاصيل رسمية ونهائية بشأن الاستثمار.
وهنا ينبغي التفريق بين “الإمكانات الاقتصادية للمشروع” وبين النتائج التي لا يمكن تأكيدها إلا بعد انتقاله إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.
المغرب يدخل سباق الصناعات الخضراء
المشروع المحتمل في طنجة يأتي أيضًا في سياق أكبر من حدود المدينة. فالمغرب يراهن على موقعه الجغرافي وموارده الشمسية والريحية لجذب الاستثمارات المرتبطة بالطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر ومشتقاته، في وقت تبحث فيه أوروبا عن مصادر طاقة ومنتجات صناعية أقل اعتمادًا على الوقود الأحفوري.
وهذه المعادلة تمنح طنجة والمغرب تحديدًا قيمة إضافية، إذ تجمع بين إمكانات الإنتاج والبنية التحتية الصناعية وقرب الموانئ والأسواق الأوروبية.
وبالنسبة إلى طنجة، فإن دخول مشاريع من هذا النوع قد يعني أن قصة النجاح التي بدأت بالميناء والسيارات يمكن أن تدخل مرحلة جديدة عنوانها “الصناعة الخضراء”.
من المخطط إلى المصنع المرحلة الحاسمة لم تبدأ بعد
ورغم جاذبية الرقم المعلن وحجم المشروع، تبقى المرحلة المقبلة هي الأهم. فالمشاريع الصناعية التي تتجاوز قيمتها مليار دولار تمر عادة بمراحل متعددة من الدراسات التقنية والاقتصادية والهندسية والتمويل والحصول على التراخيص قبل اتخاذ القرار الاستثماري النهائي.
ولهذا فإن وجود المشروع ضمن خطط الشركة في طنجة لا يعني أن الأشغال ستنطلق فورًا، كما لا يعني أن كامل مبلغ 1.1 مليار دولار قد تم ضخه بالفعل.
طنجة أمام رهان صناعي جديد
من مدينة دولية صنعت شهرتها من التجارة والموانئ والقنصليات، إلى قطب لصناعة السيارات واللوجستيك، تواصل طنجة تغيير جلدها الاقتصادي مرة بعد أخرى.
واليوم قد تكون الصناعات الخضراء هي الفصل التالي، فإذا نجح مشروع “H2 Global Energy” في عبور مراحل الدراسات والتمويل والوصول إلى التنفيذ، فإن طنجة لن تكون أمام مصنع جديد فحسب، بل أمام مؤشر على تحول أعمق: دخول المدينة تدريجيًا إلى خريطة الصناعات التي سيقوم عليها اقتصاد العقود المقبلة.
وبين “1.1 مليار دولار من الاستثمارات المحتملة” و”28 ألف طن من الإنتاج السنوي المستهدف”، يبقى السؤال الذي ستجيب عنه المراحل المقبلة: هل يتحول المشروع السويسري من الأرقام والدراسات إلى واحد من أكبر رهانات الصناعة الخضراء في طنجة؟
